ومع ذلك يرفض صدر الدين رأي المشائين والمعتزلة وأفلاطون وفرفوريوس والإشراقيين في تحقيق علم الله بالأشياء على وجه عرشي اختصاصي. فقد جعله المشاءون ارتسام صور الأشياء في ذاته وجعله الإشراقيون مناط علمه الذاتي بالأشياء الخارجة عنه، وجعله المعتزلة ثبوتا للمعدومات، ضد أفلاطون والمثل القائمة بذاتها.
50
وعند فرفوريوس اتحاد العقل والمعقول، وعند المتأخرين العلم الإجمالي. والحقيقة ما أفاده الله صدر الدين. وهي أشياء لا يمكن الوصول إليها بقوة الفكر والبحث من غير تصفية الباطن وتهذيب النفس. وقد أول ابن سينا في إلهيات «الشفاء» المثل الأفلاطونية. كما أولها صاحب حكمة الإشراق السهروردي بأنها العقول التي هي واقعة في سلسلة العرض. وهو تأويل خارج عن غرض أفلاطون الإلهي. وقد عرف صدر الدين حقيقة ذلك بإلهام وإكرام من الله وعرضه في «الأسفار الأربعة». كما قصر الحكماء الذين جاءوا بعد أفلاطون الإلهي في تحقيق المثل الأفلاطونية بل أنكروه وتشنعوا عليها اعتمادا على المعلم الأول وأولوها تأويلات غير مرضية. ويقترب الفيثاغورسيون من مذهب أفلاطون بقولهم بأن العدد هي مبادئ الموجودات. فمبادئ الموجودات كالمثل المعلقة الأفلاطونية. أما المناطقة فقد أوقعوا أنفسهم في الأشكال والحدود وغفلوا ما وراءها من وجود. وقال الإسكندر الأفروديسي ببقاء النفوس الناطقة المدركة للمعاني العقلية. وهو نفس ما قاله المعلم الأول في «أثولوجيا» بارتسام صور المعلومات في العقل. كما أثبت المعلم الأول نمو الأرض فلا شيء في العالم إلا وله نفس. وطريقة الفيلسوف الأقدم أستاذ الفلاسفة هي دائما طريقة الإمكان والأشرف. وخرج الحكماء أتباع أرسطو عن طريق الأستاذ وجعلوا الوحدة عرضا.
51
ومن الوافد الشرقي يتصدر حكماء الفرس مع الإشراقيين في أن الوجود نور من يكشف أثر الثقافات الشعبية في نشأة الفكر الإسلامي.
52
وكما تبدأ الرسالة بالبسملة والحمدلة ووصف الذات الإلهية بأوصاف الحكمة المتعالية تنتهي بالدعاء إلى مبدع العجائب وصانع الغرائب وطلب العون على تهذيب النفوس وتنوير القلوب. (4)
وفي «المزاج» له أيضا يتصدر الموروث الوافد.
53
ويتصدر الموروث ابن سينا أو الشيخ الرئيس مع إحالة إلى الشفاء وطبيعيات الشفاء ثم الرازي والمحقق الدواني والحكماء المشائين.
54
وقد رد ابن سينا من قبل على المعترضين على مذهبه كما أنه أورد شكا على نفسه من أجل تقوية البرهان. فابن سينا نموذج الفيلسوف المفتوح على غير ما يبدو عليه من نسق مغلق. ويستعرض صدر الدين حجج المشائين في علاقة الجسم بالصورة. فقد تحول ابن سينا من شخص إلى تيار. ويوازن بين اعتراضات الدواني وحجج ابن سينا ويقف موقف القاضي والحكم بين الخصمين.
55
وقد اعترض عليه الإمام الرازي وأوقعه في التناقض في طبيعيات الشفاء، ومع ذلك يدافع صدر الدين عن ابن سينا ولا يسلم بوقوعه في التناقض. وقد أورد ابن سينا في طبيعيات الشفاء حجة المعترضين عليه وأجاب عنها بطريقة غير مرضية عند التأمل.
56
ومن الوافد يتصدر المعلم الأول ثم المفسرون ثم مذهب ديموقريطس.
57
ويعتمد ابن سينا في الشفاء على ما قاله المعلم الأول بأن المخترجات ثابتة بالقوة. وشنع على المفسرين الذين أساءوا تأويل المعلم الأول بوقوفهم عند ظاهر قوله. ويبين صدر الدين ما قاله الحكماء في إبطال مذهب ديموقريطس وإثبات أن مبدأ الكيفية المتماثلة الأجزاء صورة واحدة متصلة إلا صورا متعددة.
58
وتبدأ الرسالة بالبسملة والحمدلة الواهب الحياة والعدل والصلاة على النبي والأهل، تنتهي أيضا دون أن تنتهي بالعبارات الإيمانية التقليدية.
59 (5)
وفي «تفسير سورة التوحيد» يكاد يبتلع الموروث الوافد.
60
فبينما يتصدر القرآن والحديث الموروث كله نظرا لأن التفسير علم نقل يدخل فيه الحكماء لتحويله إلى علم نقلي عقلي أسوة بعلوم الحكمة ثم المحقق الدواني والمعلم الثاني والرازي ثم صدر المحققين وبهمنيار في كتابه «التحصيل» والشيخ الرئيس في «الشفاء».