52
هو مؤلف إبداعي مستقل، يضم علم الطب في نسق عقلي محكم وبطريقة القوانين الكلية حتى في الطب العملي. كان يكتب من الذاكرة وليس من مصادر طبية سابقة. وكان الدافع مراعاة المشهور في أمر المعالجات من الأدوية والأغذية أي القواعد الطبية العامة، اكتمال العلم بعد تطوره. وتدل كثرة الألقاب على تفرد مؤلفه وإبداعه وشموله. فقد ألف في الفقه وأصول الفقه والحديث والسيرة والنحو والبيان.
53
ويقوم على قسمة رباعية تبدأ من الكلي إلى الجزئي ثم إلى الكلي من جديد. أكبرها الفن الثالث عن الأمراض الخاصة بكل عضو، ثم الثاني عن الأدوية والأغذية المفردة والمركبة، ثم الرابع عن الأمراض التي لا تخص العضو، وأخيرا الأول قواعد الطب النظري والعملي.
54
كما يجمع بين النظري والعملي. والنظري يقوم على تحليل الأمور الطبيعية ثم أحوال البدن، فالبدن جزء من الطبيعة، الإنسان عالم أصغر، والعالم إنسان أكبر. وبتفاعل البدن مع الطبيعة تظهر الأسباب والدلائل.
55
وبالرغم من الطابع القاموسي للكتاب إلا أن منطق الاستدلال فيه واضح، وتدل عليه أفعال البيان. يجمع بين القياس والتجربة. وتستعمل التشبيهات من أجل توضيح المصطلحات الطبية بعد اشتقاقها اليوناني مثل «البحران»، وهو الوقت الذي يبلغ فيه المرض شدته بحيث يتحول الإنسان من الصحة إلى المرض أو من المرض إلى الصحة.
56
فالمرض هو العدو الباغي، والبدن هو المدينة، والطبيعة السلطان المدافع عنها والبحران يوم القتال الفاصل.
57
تقل فيه التصورات والموضوعات الدينية بل تغيب غيابا شبه كلي. فالأرواح وهي القسم الخامس من الأمور الطبيعية في الطب النظري لا تعني النفس كما يراد بها في الكتب الإلهية بل تعني جسما لطيف بخاريا يتكون من لطافة الأخلاط كتكون الأعضاء عن كثافتها وهي الحاملة للقوى، وأصنافها.
58
وفي أقل القليل، وتظهر العبارات الإيمانية خلال الكتاب سؤال الله التوفيق والعصمة وتنتهي بعض الأجزاء بالتعبير الشهير «والله أعلم» تواضعا وتركا المجال مفتوحا لتقدم العلم. ويروح العالم المؤمن بعض وصف القوى والإحساس بالتوافق بين العقل والطبيعة والوحي
فتبارك الله أحسن الخالقين .
59
و«المهذب في الكحل المجرب لابن النفيس» (687ه) يمثل أيضا نموذجا للإبداع الخالص.
60
يغيب فيه الوافد والموروث باستثناء جالينوس مرتين الأولى للمناطقة والثانية اسم دواء، ولفظ اليوناني ثلاث مرات كألفاظ وإحالة إلى معنى قول الرسول عن فوائد إثمد، إنه يحد البصر وينبت الشعر، وأيضا إلى رؤيته وهو في يثرب نعش النجاشي وهو في الحبشة وهي خارج الرؤية بالعين.
61
ومع ذلك تذكر أسماء الفرق دون الأشخاص مثل أصحاب الشعاع الرياضيون، الطبيعيون، الفلاسفة، الأطباء، الآخرون. ولا تذكر أسماء الأعلام حرصا على التجريد، والتمييز بين النظرية وصاحبها، بين بناء العلم وتاريخ العلماء مثل الإحالة إلى القائلين بالمخروطين المصمتين، والقائلين بالمخروطين غير المصمتين، والقائلين بخروج خطين، والقائلين بورود والشبح.
62
والمرة الوحيدة التي ذكر فيها اسم علم ابن البيطار إحالة إليه بعد الاقتباس من كلامه من الناسخ، زيادة في أحد المخطوطات.
63
والاسم نفسه يدل على المنهج «المهذب في الكحل المجرب». فالمهذب أي المختصر المفيد، والكحل أي العين، فالكتاب في العين، والمجرب إشارة إلى منهج التجربة وكيف أن ابن النفيس يعرض أقوال السابقين على التجربة للتحقق من صدقها دون الاعتماد على سلطة جالينوس من الوافد أو ابن سينا من الموروث، وهو الذي كان يحفظ القانون ظهرا عن قلب.
ويعتمد ابن النفيس أيضا على القياس. فالعلم بناء نظري عقلي متسق. وبتطابق التجربة والعقل يصدق العلم، ولو كان الموروث ظاهرا لصدق الوحي. يعرض المذاهب العلماء في الرؤية، ويذكر حجج كل فريق. ثم يبطل آراء المخالفين، ويدحض حججهم وينصر الحق الذي هو مذهبه، ويورد الأدلة على صحته، ويرد على الشبه التي تقال حوله ويحل شكوكه.