وتقسم الطب إلى علمي وعملي. ويشمل العلمي أربعة أمور: الأمور الطبيعية، وأحوال البدن، والأسباب، والعلامات. ويشمل العملي أمرين: حفظ الصحة، ومعالجة المرض.
38
وتبرز المصطلحات الفلسفية الطبيعية عند ابن سينا مثل العقل والطبيعة والقيمة.
39
وكما تبدأ الأرجوزة بالبسملة وتنتهي بالحمدلة يتم الانتقال كالعادة من مدح الله إلى مدح السلطان، ومن طاعة الله إلى خدمة الملوك والأمراء، ومن دعاء الله إلى طلب الحاجة عند الخلفاء. كما عبر ابن سينا عن الطب شعرا حتى يزين به المجالس ويطلع الموك على القوانين الطبية، والذين يفهمون الشعر أكثر مما يفهمون الطب، لا فرق في ذلك بين سني وشيعي.
40
أما «أرجوزة في تدبير الصحة في الفصول الأربعة» له أيضا فهي أصغر من أرجوزة الطب وأكثر تخصصا في الطب الجغرافي أو الجغرافيا الطبية.
41
فقد نظم الله الفصول الأربعة، فأصبحت للأزمنة طبائع كما أن للأغذية والأدوية فوائد. ويزيد الناسخ البسلمة والحمدلة، حوالي سبعة أبيات كعمل مشترك بين المؤلف والناسخ.
42 (ج) ابن النفيس
وقد ساهم ابن النفيس (687ه) في الإبداع الطبي قدر مساهمته في أشكال التأليف الأخرى ابتداء من الشرح والتلخيص.
43
ففي «رسالة الأعضاء» يغيب الوافد والموروث، باستثناء ابن سينا مرة واحدة لبيان وحدة عمل ابن النفيس وشرحه لكتاب «القانون» في الطب إشارة خارجية وليست في النص نفسه كإحالة داخلية.
44
ويدل شرحه لعلم الحديث على وحدة المعرفة النقلية والعقلية. وتظهر النزعة الإنسانية في تصوره للطب «في بيان احتياج الإنسان إلى الأعضاء الرئيسية ومواضعها»، وأيضا «في نواحي الإنسان والاستدلال على أخلاقه من بقية أعضائه»، وفي «المقارنة بين الإنسان والحيوان». فالطب علم إنساني قبل أن يكون علما طبيعيا.
45
ويبدأ ابن النفيس مثل ابن سينا وابن رشد بالقول الكلي قبل الأجزاء. ويتصور الإنسان من أعلى إلى أسفل، من الرئيس إلى المرءوس، من القلب أو الدماغ إلى الأعضاء الخادمة له. فهناك مركزان، القلب والدماغ، وربما أربعة: القلب، والدماغ، والكبد، الأنثيان. والأسلوب دقيق واضح بلا حشو أو إنشاء لذلك جاءت الفصول قصيرة التركيز على العلم وحده وليس سياقه الاجتماعي. ويستعمل ابن النفيس ضمير المتكلم المفردة في أفعال القول. فهو الذي يدرس ويحلل ويصف الأشياء. دون نقل وشرح للأقوال.
46
ويقدم ابن النفيس فلسفة في الطب تقوم على وصف الأعضاء ووظيفة البدن بلغة الوجوب أي ضرورة الطبيعة. تبارك الله أحسن الخالقين.
47
وبعد البسملة والحمدلة يتم التحول من صفات الله إلى صفات السلطان بل تزيد صفات السلطان عن صفات الله. وكلما زاد تعظيم الله والسلطان زاد تحقير العبد الفقير إلى رحمته تعالى.
48
وفي «المختار من الأغذية» له أيضا يغيب الوافد والموروث على الإطلاق.
49
ويتم التوجه إلى الموضوع مباشرة، الأغذية لأصحاب الأمراض على نحو عملي رصدي إحصائي صرف دون أفكار أو تصورات أو دلالات، أقرب إلى القاموس منه إلى الفكر مثل ديسقوريدس وابن البيطار. والعبارات الإيمانية قليلة للغاية لا تتجاوز البسملة في البداية والحمدلة والصلاة على محمد وآله في النهاية.
وفي «الموجز الطب» لابن النفيس (687ه) يصل الإبداع الطبي إلى مداه.
50
إذ يغيب الوافد والموروث كلية، لا جالينوس ولا ابن سينا.
51
ومع ذلك تظل بعض الكلمات المعربة مثل كيموس، ديابيطس التي استقرت في الطب مثل باقي الأسماء المعربة المستقرة مثل موسيقى وجغرافيا وهندسة. ومن ثم فإنه يكون موجز لكتاب «القانون في الطب» لابن سينا باستثناء التشريح ووظائف الأعضاء ومن ثم يكون أدخل في التلخيص لأن ابن النفيس لم يصرح أن الموجز اختصار لا اسما ولا مقدمة كما هو الحال في باقي مؤلفاته الشارحة مثل «شرح تشريح ابن سينا». بل إنه لا يعرض آراء ابن سينا، بل ينقده كما نقد جالينوس في عمل القلب والرئتين. بل كان يفضي من كلام جالينوس ويصفه بالعي والإسهاب الذي ليس تحته طائل.