18
وقد ذكر الحكيم تحولا من الشخص إلى الرمز، ومن الاسم إلى اللقب استشهادا بقوله عن ارتباط الرؤية بالعين في كل عمر في سياق ضرب المثل بفساد الآلة أي النفس في حالة النوم.
و«مناهج الأدلة» أكثر مؤلفات ابن رشد إن لم تكن المؤلفات الفلسفية على الإطلاق اعتمادا على الموروث الأصلي للقرآن الكريم والحديث النبوي حتى يمكن دحض الأشعرية بالنص، نصا بنص، ونقلا بنقل، وسلطة بسلطة. ولأنه فقيه يعود إلى الأصل سواء كان في الوافد أو في الموروث. ويمكن تجميعها في عدة موضوعات رئيسية بالرغم من تناثرها.
اعتراف العرب كلها بوجود الله لأنها معرفة فطرية بديهية في النفس لا تحتاج إلى دليل لإقناع النفس بها. ومع ذلك يدعو القرآن الناس إلى النظر بأدلة عقلية منصوص عليها والتصديق بوجود الباري. وهو طريق إبراهيم، طريق الخواص لمعرفة الله يقينا، من الحركة إلى السكون، ومن التغير إلى الثبات نفيا للألوهية عن الأجرام والكواكب. ومع ذلك لم يتحقق الشرع مع الجمهور في قدم الإرادة أو حدوثها بل صرح بألا تظهر أنها حادثة لأن الجمهور لا يفهم صدور الحادث من القديم. وفي نفس الوقت يحتج الصوفية لإثبات طريق الذوق بظواهر الشرع فيهدمون النظر من أساسه. فالمعارف الضرورية من علم الأقل كما هو وارد في النص.
19
ودليل العناية ودليل الاختراع نموذجان للأدلة القرآنية على وجود الله. وهي أدلة في الفطرة منصوص عليها في الشرع. فالشرع منبه على الفطرة، والفطرة تأكيد على الشرع. والفطرة عند ابن رشد هو عهد الذر الأول الذي أخذ الله فيه على بني آدم عهد التوحيد، وأشهدهم على أنفسهم بوحدانية كما يقول الصوفية. هو دليل عملي يتطلب الطاعة والامتثال، تشارك في كل مظاهر الكون بالتسبيح كل بلغته. ومن سلك هذه الطريق يكون من العلماء الذين يشهدون لله بربوبيته مع شهادة الله لنفسه مع الملائكة ومثل تسبيح الموجودات له. والتعليم الشرعي نافع للأكثر ضار للأقل الذين في قلوبهم مرض وزيغ ويتبعون المتشابه ابتغاء التأويل والفتنة.
20
ومع ذلك يقوم كل من دليل العناية ودليل الاختراع على مقدمات ونتائج كما هو الحال في الدليل المنطقي. فمثلا يقوم دليل الاختراع على مقدمتين. الأولى أن الموجودات مخترعة. وهي مقدمة معروفة بنفسها من ملاحظة النبات والحيوان. والثانية أن كل مخترع له مخترع لأن من لم يعرف حقيقة الشيء، لم يعرف حقيقة الاختراع. وهناك بعض الآيات تتضمن دليل العناية وحده، وآيات أخرى تتضمن دليل الاختراع وحده، وآيات ثالثة تجمع بين الدليلين وهي الأكثر. والدليلان في النصوص بمعنى الحكمة والتدبير تحولا إلى دليل دافع به المسلمون عن العناية ضد اليونان. وفي كلتا الحالتين حكمة الطبيعة عند المسلمين من الله وعند اليونان من الطبيعة. فقد خلقت الطبيعة لمنفعة الإنسان، الجبال لسكون الأرض، وموافقة الليل والنهار لدورة النوم واليقظة عند الحيوان والنبات، وموافقة كل شيء على الأرض في حياة الإنسان، السماء والشمس والقمر والكواكب والنجوم والماء والنبات والزرع والهواء. ويثبت القرآن العناية ضد الجواز، جواز أن يكون الشيء على غير ما هو عليه أو الاتفاق وهو الأقل ضرورة. والجواز لا يسمح بالإتقان. فالجائز ليس أولى بالشيء من ضده.
21
ويستعمل ابن رشد لفظ دلالة وليس «دليل»، أي إنها مجرد إشارة أو علامة وإن لم تكن دليلا في صياغة منطقية، مقدمات ونتائج. ويلاحظ كثرة النصوص كما هو الحال عند الأشعري في «الإبانة» أو الرازي في «أساس التقديس». والعذر في ذلك أنه يريد أن يكون أشعريا مع الأشاعرة كما أراد الغزالي أن يكون متكلما مع المتكلمين، فليسوفا مع الفلاسفة، أصوليا مع الأصوليين، صوفيا مع الصوفية.
22
ويثبت ابن رشد وحدانية الله بعديد من الآيات ونفيها عمن سواه بنص الشرع بنفس الآيات التي صاغ بها الأشعري دليل الممانعة، استحالة وجود إلهين في وقت واحد. ويعلم العلماء هذا الدليل من إيجاد العالم وكون أجزاء بعضها من أجل بعض بمنزلة الجسد الواحد أكثر مما يعلم الجمهور. ويبرهن ابن رشد على كل مقدمة من مقدمات الدليل بالنص فأصبح تأويل النص هو تحليل للعقل وتحقيق الطبيعة. وينتهي من مجموع الآيات إلى استحالة وجود إلهين متفقين أو مختلفين في الأفعال. وأحيانا يعرض صفة القيام بالنفس مع الإنسانية. فالله لا يقوم بالعرش بل العرش الذي يقوم به.