24
ومع البسملة والحمدلة في البداية والنهاية تستعمل الصفات الرياضية الله مما يدل على أن لغة مخاطبة الله هي لغة إنسانية مستقاة من العلوم الإنسانية وأن العلوم الإلهية علوم إنسانية مقلوبة. فالنعم الإلهية لا تحيط بها الأعداد أو تضاعيف القسمة، ومن الأئمة أربعة متناسية، والدعوة إلى النطق بالصواب يوم الحساب.
25 (ط) الطوسي
وإذا كان الجبر هو حلقة الصلة بين الحساب والهندسة فإن مؤلفات شرف الدين الطوسي (النصف الثاني من القرن الثاني من القرن السادس) تمثل نموذجا للإبداع الخالص في الجبر في رسالتين عن «المعادلات» ورسالة «في الخطين اللذين يقربان ولا يلتقيان» ورسالة «في عمل مسألة هندسية».
26
يغيب فيها الوافد والموروث من حيث الشكل الأدبي، بصرف النظر عن الإبداع في المضمون. ورسالتا المعادلات، تلخيص قام به شخص آخر لاستبعاد التطويل وإسقاط الجداول الحسابية لبعدها عن الطبع واستدعاء طول الزمان الموجب للملل جمع بين العمل والبرهان. فالملخص كان يشعر بصورية الرياضيات وتعقيدها وطولها. ومن هنا أتت ضرورة تلخيصها.
27
وتظهر أفعال القول في ضمير المتكلم المفرد «أقول».
28
فالطوسي هو الذي يدرس ولا يروي أقوال السابقين. كما أنه يقوم بالبرهان الذي تدل عليه أفعال البيان وتكرار عبارة «وذلك ما أردنا بيانه». والفكر البرهاني يقوم على الاتساق، واستحالة التناقض. لذلك يكثر برهان الخلف.
وتقوم المسائل الرياضية بعضها فوق بعض. فالرياضة نسق برهاني وتترتب المقدمات من أجل الانتهاء إلى نتائج والانتهاء إلى المطلوب الأعظم أو الأصغر. ويحيل السابق إلى اللاحق، واللاحق إلى السابق. وتتم مخاطبة القارئ بالرغم من الموضوع النظري والأسلوب التجريدي.
29
وتبدأ بالبسملة وتنتهي بالحمدلة والاستعانة بالله وحسن توفيقه وهو نعم المعين.
30
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو العزيز الوهاب. وكما تبين المقدمة نوع الخطاب الرياضي، طوله وتجريده، تعيد الخاتمة نفس المعنى. قد تقع بعض الأخطاء في الحسابات والبراهين لكثرة المقدمات واختلاط الهندسة بالحساب. والدربة والارتياض قادران على الأمان من الخطأ. وتطويل المقدمات ضرورة في البراهين الرياضية ولا مندوحة من ذلك. ثم يتم الانتقال من مدح الله إلى مدح السلطان حتى في الخطاب الرياضي لأنه نمط ثقافي عام.
31 (2) الهندسة
ولما كانت الهندسة تطبيقا للحساب على المساحة المتصلة حدث إبداع هندسي أيضا سواء في الهندسة النظرية أم الهندسة التطبيقية. (أ) الكندي
ولما كان إبداع الكندي مبكرا فقد تمثل إبداعه في الهندسة في رسالته «في عمل الساعات» تطبيقا للحساب على المسطحات كما هو الحال في الهندسة مصاحبة ببعض الأشكال الهندسية والرسومات التوضيحية.
32
وهي إجابة على سؤال «رسم كيفية صنعة آلة تدرك بها الساعات سطحها مواز لسطح الأفق بالخطوط خبر من غير برهان». فالسؤال طلب للبرهان وألا يكون العلم مجرد خبر. ومن شروط البرهان السهولة حتى يدركه الجميع وليس فقط المرتاضون المدربون على الصناعة وعلى الرياضيات. وهي أقرب إلى الساعة الشمسية التي تتطلب علوم الفلك والحساب والهندسة. وتعتمد على العقل الخالص دون إحالة إلى وافد أو اعتماد على موروث. وقد يبدو الموروث في اللاوعي المعرفي في وظيفة الأهلة في معرفة المواقيت.
33
ثم يتحول النظر إلى عمل والهندسة إلى ميكانيكا في «كيفية نصب الآلة». ولا ضير أن تبدأ الرسالة بالإيمانيات وتنتهي.
34 (ب) البوزجاني
ففي «ما يحتاج إليه الصانع من علم الهندسة» للبوزجاني (328-388ه) ترتبط الهندسة النظرية بالهندسة العملية، والعلم النظري بتطبيقاته العملية دون اللجوء إلى الإنشائيات والمواعظ الدينية.
35
إذ يغيب الموروث على الإطلاق كما يغيب الوافد. فالعلم ينشأ في الذهن ويطبق في الواقع نظرا لاتحاد نظام العقل ونظام الطبيعة. ومع أن الأسلوب هو قيل وقال وكثرة أفعال القول إلا أن الأقوال غير منسوبة إلى أصحابها. فما يهم هو المتن لا السند، العلم لا العالم. ونظرا للتركيز الشديد والعرض المجرد تعطى العديد من الأمثلة التوضيحية. ونظرا لارتباط النظر بالعمل تبدأ الرسالة بشرح الآلات الهندسية وكيفية عملها قبل الدخول في النظريات الهندسية.