24 (8) السنوسي
وقد يقوم المؤلف بشرح نفسه، نصا على نص، وفكرا على فكر، طالما غاب الموضوع وانتهى التراكم الفلسفي إلى حده الأقصى، وتوقف تواصل الأجيال. مثال ذلك «شرح أبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي (832-895ه) على مختصره فن المنطق».
25
الهدف شرح المختصر أو اختصار الشرح، من الأقل فالأكثر أو من الأكثر فالأقل مما يدل على قدرة فائقة على التعبير عن العلم تركيزا وإسهابا، اختصارا وتطويلا. فقد استقل العلم عن العبارة، والمعنى عن الخطاب. غاية التركيز الاستفادة منه في المقاصد الشرعية الأخروية وإرشاد العقل بدلا من التحير وتشتت الأنظار. قد لا يتضمن جديدا بالنسبة لمادة المنطق، ولكن الإبداع فيه في الشكل واستقلال الموضوع عن مصدريه الرئيسيين في الوافد والموروث.
يغيب الوافد كلية ولا حتى من بقايا الزمن الغابر باستثناء ذكر المعلم الأول أرسطوطاليس، والإسكندر كل منهما مرة واحدة في الشرح كنوع من تحقيق المناط والحديث عن الأقدمين إحساسا بالتاريخ والانتقال من القدماء إلى المحدثين. كما يغيب الموروث في الشرح إلا من زيادة في الشرح اعتمادا على بعض العلوم النقلية مثل الحديث، صحيح مسلم، والإمام ابن عرفة، والاستشهاد بحديث «الليل مثنى مثنى» على تركيب مقدمات القياس وعلى القرآن دون ذكر آيات محددة بل استعمالا لبعض ألفاظه. كما تظهر بعض مصطلحات الكلام مثل صفات الخالق والرازق، والاستحقاق والصلاح والأصلح من المعتزلة. وتظهر أسماء الفارابي والخونجي ثم ابن سينا وابن رشد الحفيد.
26
وتظهر بعض أسماء الفرق كالحشوية والباطنية والنصارى. وهو منطق للاستعمال. لذلك يكثر التنبيه على فوائده ومخاطبة القارئ. ويضرب المثل الشهير على التناقض في المنطق، التوجه من بيت المقدس إلى الكعبة في مكة واستحالة الجمع بين الصدق والكذب في قضية واحدة.
27
كما يشار إلى القدم والحدوث، وضرب المثل بالنبي والصحابة على التقدم في الفضيلة. وكما يبدأ العمل بالبسملة وينتهي بالحمدلة، ترد التعبيرات الإيمانية مثل طلب التوفيق من الله والاعتماد والتوكل عليه. وتكثر ألقاب سواء كانت من المؤلف أو الشارح أو الناسخ.
28
مما يدل على أنه في قمة الإبداع الخالص تكمن بذور تقليد القدماء.
29
| ثالثا: الإبداع الفلسفي
(1) الرازي
وبالرغم من أن الرازي مقل في التأليف إلا أن مقالته الصغيرة «في أمارات الإقبال والدولة» إبداع خالص، لا يظهر فيها الموروث ولا الوافد. بل إن موضوعها جديد على علوم الحكمة وهو فلسفة التاريخ ليس المقصود منها التقرب إلى أمراء أهل زمانه بل هي تحيل لنشأة الدول وسقوطها، نشأتها بالعلم، والنظام، والأخلاق، والرياسة، والحلم، والصدق، والصداقة وميل الناس، والصفاء والعدل. فالأخلاق هي محرك التاريخ.
1 (2) أبو سليمان السجستاني
وبالرغم من ارتباط أبي سليمان السجستاني (331ه) بتنظير الموروث والتنظير المباشر للواقع وتفاعل النص مع التاريخ إلا أنه أيضا من أصحاب الإبداع الخالص. (أ)
ففي رسالة «في أن الأجرام العلوية ذوات أنفس ناطقة» يتم وضع الموضوع بالتركيز على الذهن دون ما حاجة إلى وافد أو موروث.
2
فكل جسم طبيعي له حركة تخصه. تتحرك من المركز إلى المركز حركة مستقيمة في أربعة اتجاهات. أما الأجرام السماوية فهي مخالفة لطبيعة الاستقامات؛ إذ إنها تتحرك حركة خاصة، لا خفيفة ولا ثقيلة، تتحرك على المركز حركة دائرية. والدائري أشرف من المستقيم. وفي نفس الوقت يظهر مسار الفكر، بداية ونهاية، مقدمات ونتائج، إحالة اللاحق إلى السابق والسابق إلى اللاحق، مع استيفاء الوسع وبذل الجهد مع خاتمة إيمانية، الحمدلة والصلاة على خاتم الرسالة محمد وآله.
3 (ب)
وفي رسالة «في الكمال الخاص بنوع الإنسان» له أيضا، لا وافد ولا موروث باستثناء الاعتماد على الأمم السالفة ومذاهبهم على العموم كثقافة عامة دون إحالات خاصة، وبداية بالوعي التاريخي. فالغاية الإبانة عن الكمال الخاص بنوع الإنسان ووصف الشخص الذي ظهرت فيه جوامع ذلك الكمال في هذا الزمان من أجل سياسة العالم. فالحاجة تولد الإبداع. وهم المستقبل يحيل إلى الماضي.