تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

90

كما يحال إلى عديد من المؤلفات المنطقية مثل الكشف ، والموجز، والمجمل، والرسالة، والملخص، والشفاء، والإشارات، وشرح الإشارات. ويكثر ذكر الأقدمين ثم المتأخرين ثم المحدثين مما يدل على ارتقاء الوعي الفلسفي. ولا يذكر اليونانيون إلا مرة واحدة من ذكريات الماضي البعيد بعد أن ورثهم المسلمون. وبالإضافة إلى الإكثار من ألقاب العلماء وهي سمة العصر تظل الإيمانيات، البسملة والصلاة على محمد وآله وصحبه إلى يوم الدين والدعوة بالتوفيق والدعاء بطلب حسن العون.

91

ويستمر تنظير الموروث المنطقي حتى القرن الثاني عشر في «الجواهر المنتظمات في عقود المعقولات» لأحمد السجاعي (ت 1197ه) وشرح المؤلف نفسه مع حاشية شيخ الإسلام الشيخ حسن العطار (ت 1250ه) مما يكشف عن طبيعة هذا العصر المتأخر وظهور التراكم الفلسفي وعيش الفكر على ذاته، تأليف على تأليف، شرح على متن، وحاشية على شرح، وتخريج على حاشية. ويستعمل القرآن في الشرح مثل

غير المغضوب عليهم

كمثل الإضافة المعرفة إلى المعرفة.

92

ويتعلق بالكلام أكثر من تعليقه بالمنطق. فالكلام منطق العقيدة كما أن المنطق هو آلة العلم. بل إنه يتعلق بالطبيعيات نظرا لتداخل موضوع المقولات بين المنطق والطبيعيات. فالموضوع هو الجوهر والأعراض.

93

ويعتمد على الموروث وحده، من الفرق على المتكلمين ثم الحكماء ثم الفلاسفة والمعتزلة والأشاعرة و«شيوخنا»، ومن الأعلام ابن السبكي، والزركشي، والشهاب الخفاجي، والسعد التفتازاني، والنظام وابن سينا، وابن دريد. ومن المؤلفات على شرح المقاصد، وشرح الطوالع، وشرح التجريد والمواقف. وواضح الاعتماد على الشروح أكثر من الاعتماد على المتون في عصر الشروح والملخصات. وينتهي العمل كالعادة بالحمدلات كما يبدأ بالبسملات. ويأخذ الله صفات المنطق مثل تنزيهه عن الكم والكيف، بالإضافة إلى الاستعاذة من شيطان الجن والإنس في الدنيا ويوم الثناء.

94

واستمر تنظير الموروث المنطقي في القرن الثالث عشر حتى في الحواشي مثل «حاشية شيخ الإسلام والمسلمين رب المريدين المرحوم الشيخ إبراهيم الباجوري على مختصر العلامة المحقق سيدنا الشيخ محمد السنوسي في فن المنطق». وهو عنوان طويل مركب يدل على تداخل النصوص والتراكم الفلسفي الداخلي بين المتون والشروح والحواشي والتخريجات بطريقة التناص بحيث تصبح الشروح أضعاف النص الأول كمركز حوله حلقات مع فصل بين النواة أو القلب وبين الأوراق المغلفة لها كما هو الحال في الشرح الكبير عند ابن رشد للوافد. فهو تراكم معرفي مغلق على ذاته، حضارة تعيش على ذاتها، تستلهم ذاكرتها، جمل يجتر في عصر القحط والجفاف ما طعم من قبل أيام الوفرة والرخاء. يتم التراكم على نحو دائرة ابتداء من المركز وليس على نحو طولي، قراءة اللاحق السابق وتطويره ونقله وإعادة بنائه من عصر إلى عصر.

وكان هناك وعي تاريخي بهذه الأنواع الأدبية مثل التقييد والتقرير.

95

ويصل حد التراكم إلى ضياع النص الأول وتغطيته بطبقات من الشروح والحواشي والتخريجات اللغوية والفقهية والكلامية لدرجة التطويل الذي يخلو من الفائدة أو تجديد حتى شرح البسملة وإعرابها نظرا لغياب مادة جديدة، بل شرح لفظ بلفظ مما يدل على غياب المعنى وضياع الشيء لحساب اللفظ دون أي فعل للقراءة أو التأويل لدرجة ضياع النص الأول، فتصبح الشروح مجرد حشو لغوي، ملء فراغ، تغطية مساحة دون مضمون قديم أو جديد. كل ذلك يدل على الحالة العقلية للعصر وأوضاعه الذهنية وتوقف الحضارة عن الإبداع والانتقال من مرحلة الإبداع التي قامت على العقل إلى مرحلة الاستدعاء الثانية التي تقوم على الذاكرة.

96

وتأتي مادة الشروح من العلوم النقلية طالما أن العقل قد توقف عن الإبداع، مجرد تجميع من مواد كلامية وفقهية ولغوية أو صوفية. ويبرز الشعر العربي، ثقافة العرب الأولى نابعا من الوعي العربي قبل الإسلام. ويتحول إلى شعر تعليمي من أجل حفظ المادة بأسلوب العرب الأول، الشعر. ويخرج الشرح عن موضوع المنطق إلى بعض المسائل الكلامية. مثل قدم العالم وحدوثه، أو إلى النحو وعلوم اللغة والنحو هو منطق العرب كما أن المنطق هو نحو اليونان. وربما تظهر بعض المواد الطبية نظرا لاستمرار الموروث الطبي إلى عصر متأخر لفائدته العملية.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٣٤