تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23

وفي تأويل «الصمدية» يبدأ ابن سينا بقرآن حر، مفسرا القرآن بلغة القرآن أو بأسلوب القرآن، السمع والإيقاع، والبداية بالبسملات والحمدلات. والموضوع التوحيد. ولفظ «أحد» مبالغة في الوحدة وكأن القرآن فيه مبالغة وليس فقط التأكيد. وتظهر ألفاظ «إلهي» و«إلهية» كثيرا مما يدل على استمرار الموضوع الأول في علم الكلام، كذلك استعمال صفات السلب وصفات الإيجاب. الفلسفة إذن دفع للكلام نحو مزيد من التنظير العقلي كما هو الحال في علم الكلام المتأخر، عرض فلسفي مجرد. لذلك يوجه ابن سينا إلى نفسه اعتراض معترض بطلب البرهان. ثم جاء التفسير في النهاية صعب الفهم. فكيف تكون به نجاة الناس. وكيف تعادل حينئذ «الصمدية » ثلث القرآن؟ هل تستطيع العامة فهم هذا التأويل وتنال به الخلاص؟ إن الآية، ببساطتها ومباشرتها وتركيزها أفضل من شرحها وتأويلها. لا يعدو التفسير الفلسفي للآيات كونه استيعابا حضاريا للوافد، واستعمال ثقافة العصر في عرض الموروث الأصيل وعدم تركه منعزلا تجاوزا لازدواجية الثقافة. قد لا تخرج عن التفسير الصوفي القرآن في إطار أشعري عام يظهر في المقدمة أو الخاتمة سواء كان من الناسخ أو الناشر. فالعمل جماعي. والعقل في حاجة إلى نقل. وهو حكم عام يتجاوز ابن سينا دور علوم الحكمة.

24

وفي «العرشية» يذكر القرآن (7 مرات)، والحديث (مرتان) مما يدل على حضور التفسير من علوم الحكمة قدر حضور علم الكلام من العلوم النقلية العقلية فيها. وهي آيات يسهل تفسيرها على نحو أشعري؛ لأنها تتعلق كلها بقدرة الله المطلقة في الإنسان والطبيعة، الآية الأولى تنفي التعدد، وتثبت أن الوحي غير قابل للتغيير والانفعال في أم الكتاب في مقابل تفسير آخر، النسخ والاستبدال. الأول يؤثر الثابت، والثاني المتحول. الأول يخرج من كل شيء هالك إلى وجهه،

كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ، والثاني يخرج من

كل يوم هو في شأن . والثالثة والرابعة تثبتان القضاء والقدر، وخلق الله الأفعال، والخامسة والسادسة تجعل الخير من الله وأنه يريد اليسر بالإنسان لا العسر. والسابعة تبين سيطرة الله على مظاهر الطبيعة، إنزال الماء، وأحياء الموات، وخلق الحيوان والإنسان. ويفسر ابن سينا الحديث القدسي الخاص بصدور الأفعال من العقل الأول سواء كان هو العقل صراحة أم القلم. فالقلم هو العقل. ويستعمل القرآن الحر كأداة للتعبير، تفسير للقرآن المباشر بالقرآن غير المباشر.

25

وفي رسالة «الفعل والانفعال» يذكر القرآن (13 آية) والحديث (4 أحاديث) بالإضافة إلى قول مأثور واحد، ودون أي ذكر للوافد اليوناني. كلها محاولة لتنظير الصلة بين النفس والجسم وبيان أثر النفسي في الجسمي وأثر الجسمي في النفسي، علاقة الفعل الانفعال لا فرق في ذلك بين الوافد اليوناني والموروث القرآني بعد أن انضوى الوافد التاريخي في أعماق اللاوعي المعرفي، وفي نفس الوقت يستعمل هذا المخزون المعرفي التنظير الموروث مثل الوحي والإلهام والمعجزات والكرامات والآيات والمنامات والسحر والعين والمؤثرات والنيرنجيات والطلسمات والحيل، حتى يسمح بإدخال هذا العنصر الجديد الموروث فيه. فتجتمع علوم الأوائل مع علوم الأواخر، علوم السلف وعلوم الخلف في رؤية حضارية واحدة. تفيد معظم الآيات المذكورة العلم الجديد وهو الوحي الذي لم يكن يعلمه الرسول من قبل، ما أسماه المتكلمون السمع أو النقل في مقابل العقل أو الحس بما في ذلك القصص. كان الرسول أميا غير حاضر زمن الأحداث المروية. وبعض الآيات تفسير على التفسير الصوفي الإشراقي لآية المشكاة المشهورة التي شرحها الغزالي في «مشكاة الأنوار».

26

وتذكر آية أخرى تشير إلى التنبؤ بالمستقبل وبانتصار الروم على الفرس. ويستشهد بآيات أخرى تشير إلى انفعالات النفس مثل الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس أو سحر الأعين، وبآية أخرى تعبر عن اتخاذ البعض عبادة الأصنام قربى إلى الله، وبآية تكشف عن أن البرهان في الطبيعة وفي النفس، في الخارج وفي الداخل. ويفسر ابن سينا الحديث القدسي الأول بأن الوحي يتم في حال اليقظة والنفث في الروح في حال النوم. ويفسر الثاني بأن رؤية الرجل الصالح جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة كما يقول الصوفية في الإلهام، والحكماء في الاتصال، والفلاسفة في الحدس. ويفسر الثالث ببلاغة الرسول، والرابع بالقدرة على التنبؤ، تنبؤ الرسول بقتل كسرى. كما يستشهد ابن سينا بالآثار والأخبار المروية وبالثقافة الشعبية الشائعة حتى ترتبط الفلسفة بثقافة الجمهور وتصبح نابعة منه ومن حياة الرسول.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ١٢٣