101
| خامسا: ابن بختيشوع، وابن رضوان، والخيام
(1) ابن بختيشوع (450ه)
من أسرة طبية مسيحية أسطورية من أصل فارسي، معاصر لابن بطلان وصديق بعد أن انتقلت مدرسة الإسكندرية الطبية إلى أنطاكية، ثم إلى حران في النصف الأول من القرن الثاني، ثم إلى بغداد في النصف الثاني منه. وكان أيضا مؤرخا أثبت أن جالينوس ليس معاصرا للمسيح. كتب «رسالة في الطب والأحداث النفسانية» لإثبات الصلة بين الطب والفلسفة، والصلة بين الطب وعلم النفس كما يوحي العنوان.
1
فقد نشأت مشادة كلامية في البصرة حوالي (429ه) حول هل الطب صناعة مستقلة عن الفلسفة؟ وما فضائل الطبيب؟ اعتبر ابن بختيشوع والأطباء أن الطب صناعة مستقلة، وكتب هذه الرسالة ليبين حجج الأطباء ضد الفلاسفة، وأن مكان الطب هو المستشفيات وليس مدارس الحكمة. وتزعم الفريق الآخر ابن بطلان؛ فالطب ليس صناعة مستقلة عن الفلسفة، ولا يطلق لقب الطبيب إلا على من كان فيلسوفا، وإلا كان متطببا؛ أي مشتغلا بصناعة الطب. وتجتمع الفلسفة والطب في لفظ الحكمة، والحكيم هو الفيلسوف والطبيب في آن واحد كما هو المعنى العرفي للفظ حتى الآن؛ لذلك نقد ابن بطلان الدجالين والمشعوذين الذين يمارسون الطب كصناعة وحرفة دون فهم للأمراض وعللها. الفيلسوف صاحب المنطق يعمل بالطب برؤيته الفلسفية واستدلالاته المنطقية مع الدخول في الطب التجريبي؛ فالاثنان ليسا على التعارض أو التبادل، بل على الجمع، العقل والتجربة، القياس والدربة، وهي سنة الأطباء الحكماء والحكماء الأطباء؛ لذلك فضل المسلمون جالينوس الطبيب المنطقي الفيلسوف، على أبقراط الطبيب التجريبي.
2
ليست الفلسفة حجر عثرة في سبيل العلم. وخطأ أرسطو وأفلاطون في الطب يؤدي بالضرورة إلى انفصال الطب عن الفلسفة، بل إلى التحول من الطب التجريبي إلى الطب الفلسفي. وتعارض آراء أفلاطون وأبقراط في الطب، كما لاحظ جالينوس، لا تعني خطأ الطب الفلسفي، بل تعدد الآراء الموجودة حتى الآن في الطب التجريبي. ونقد جالينوس لأفكار أفلاطون الطبية لا تؤدي إلى فصل الفلسفة عن الطب، بل تصحيح آراء الطب الفلسفي بالطب التجريبي. وإن مخاطر الطب التجريبي الذي لا يقوم على تصورات فلسفة، بل على التوحيد بين النفس والبدن، أعظم من مخاطر الطب الفلسفي الذي يقوم على التمايز بينهما. الخلاف إذن فلسفي. خطورة الطب الفلسفي الغائية التطهرية أي المثالية، وخطورة الطب التجريبي الوضعية المادية.
والقضية الثانية هي الصلة بين الطب البدني والطب النفسي، وحق دراسة الأطباء الظواهر النفسية نظرا لارتباط النفس بالبدن، وأثر الظواهر الجسمية في الظواهر النفسية، أو أثر الظواهر النفسية في الظواهر الجسمية.
3
وهو موضوع الفصلين الأخيرين من الرسالة، وهي أكبر الفصول، مع أخذ نموذج تطبيقي على العشق كمرض يدرسه الطبيب.
4
من الوافد يتصدر جالينوس ثم أفلاطون ثم أبقراط ثم أرسطو ثم أرخيجانس ثم سقراط (بمفرده أو من داخل نص فولس) ثم فيثاغورس وتوقيذيذس وإيرقليس وأرميطوس وأوميروس وقيطاوس وليطو وثامسطيوس، ويظهر تملوقون من داخل نص جالينوس.
5
كما يذكر مؤلفات جالينوس وأبقراط وأفلاطون وأرسطو.
6
ويوصف جالينوس بلقب الجليل، وهو ممثل الطب الفلسفي، وأن الطبيب الفاضل فيلسوف. صلة الفلسفة بالطب مثل صلة النظر بالعمل، فلا نظر بلا عمل، ولا عمل بلا نظر، بل إن الفلسفة منطق لكل العلوم وليست للطب وحده. الفلسفة هي التي تضع المصطلحات الطبية ومنطق الاستدلال للطبيب. الطب العلمي يقع في التجربة الساذجة؛ لذلك تحميه الفلسفة من قصر النظر وسطحية النظرة. يحتاج الطبيب إلى القياس والنظر، وهو ما تعطيه له الفلسفة. هناك إمكانية إذن للطب الفلسفي وليس الفلسفة غير الطبية (لأفلاطون)، أو الطب غير الفلسفي (أبقراط). وقد نظر القدماء من الطبيعيين، أي الفلاسفة، ووجدوا أيضا ضرورة نظر الطبيب في الأسباب؛ مما يجعله فيلسوفا.