85
ويحيل البيروني إلى باقي أعماله تعبيرا عن وحدة المشروع، التاريخ والفلك والرياضيات والطب والحكمة والمعادن. كما ينهل من الشعر العربي كمصدر للتاريخ، أوزانه وشطراته.
86
وفي نفس الوقت يصف مسار فكره ووحدة عمله، ويذكر بما فات وينبئ بما هو آت.
87
ويضيف كثيرا من الجداول والرسومات التوضيحية التفصيلية عن التواريخ والزيجات الفلكية.
88
كما يميل إلى عديد من المصادر المكتوبة والنصوص المقدسة.
89
ومع ذلك فالكتاب مملوء بالأسماء والحوادث، الملوك والقواد والأنبياء، والأساطير والأماكن والقبائل؛ مما يجعل تحليل المضمون له شبه مستحيل. يكفي التحليل الكلي للمقاصد والتوجهات العامة. أحيانا ينقض الترابط المنطقي. غلب التاريخ على فلسفة التاريخ، وأصبح أقرب إلى التاريخ منه إلى علوم الحكمة.
ويبدو الوافد قليل التردد في الاتساع، وكثير التردد في العمق، على عكس الموروث الكثير التردد في الاتساع، القليل التردد في العمق؛ فالأسماء العربية تفوق عشرة أضعاف الأسماء اليونانية من حيث العدد.
90
ومن الوافد يأتي بطليموس وجالينوس وهرمس في الصدارة، ثم المجسطي والإسكندر، ثم هيبارخوس وهيبوقراط، ثم يأتي أرسطوثيون الإسكندراني في المرتبة الثالثة.
91
ويتصدر الوافد الشرقي على الوافد الغربي كالعادة عند البيروني. ويأتي أشكنبار وجهانبار وجم ونبجتنصر في المقدمة، ثم الحرانيون، ثم فريدون والصابئة، ثم الأفستا والهنود.
92
ومن الموروث يأتي حمزة بن الحسن الأصفهاني في المقدمة، ثم أبو الفرج الزنجاني، ثم سنان بن ثابت، ثم أبو معشر وعماد الدولة علي ابن البويهي، ثم على بن أبي طالب، ثم الزقاق والكندي والجهيني، وتتوالى الأسماء تباعا بالمئات.
93
ويستشهد البيروني بخمس عشرة آية قرآنية خاصة في البداية ليبين تطابق العلم والدين، الطبيعة والقرآن؛ فالكتاب يصدق الطبيعة، والطبيعة تصدق الكتاب.
94
العلم وسيلة لفهم الوحي، والوحي طريق إلى تأسيس العلم. ويضرب البيروني المثل بالزمان. وبالرغم من تحريف الكتب المقدسة إلا أن البيروني يستشهد بها، خاصة التوراة بعد تصحيحها بالقرآن كمصدر للأخبار. وإذا كان التاريخ موضوعا للأهواء والمصالح، كما تبدو في الروايات، فإن القرآن رؤية موضوعية للتاريخ، ليس بالضرورة كنص حرفي، بل كتوجه عام، كما يستعمل الحديث أيضا بنفس الطريقة.
95
تستعمل ثمانية أحاديث حول الزمان والأمية والصوم والفطرة ويوم الخندق ووراثة اليهودية وأنبياء إسرائيل.
96
ويتجلى الموروث الديني في المقدمات والخواتيم الدينية في البسملات والحمدلات، والاعتماد على المشيئة الإلهية، والدعوة بالتوفيق للصواب، والاستعانة بالله وعلم الله المطلق. وتؤدي الدعوة إلى الله إلى الدعوة للسلطان أو الإمام، ووصف الله من السلطان بنفس الصفات والألقاب.
97 (3) ابن الهيثم
و«عمل المسبع في الدائرة»
98
لابن الهيثم (432ه) موضوع هندسي يتحرى به المهندسون، ويفخر به المبرزون، وهو عمل المسبع المتساوي الأضلاع في الدائرة. ظفر به بعض المتقدمين وبعض المتأخرين، حتى ظفر به بعض الأدعياء الدخل. استعمل فيه ابن الهيثم طريقة التحليل والتركيب.
99
ويتضح فيها مسار الفكر والبرهان من المقدمات إلى النتائج.
100
ويتقدم الوافد على الموروث على الإطلاق؛ إذ يذكر أرشميدس ثم المتأخرون والمتقدمون ثم المهندسون في فقرة واحدة؛ مما يكشف عن تجميع الوافد وحصاره. ويوضح ابن الهيثم المقدمة التي استعملها أرشميدس ولم يبينها ويوضح برهانها. كما حاول المتأخرون إظهار المسكوت عنه في أقوال المتقدمين. ويحيل إلى عمله الآخر «ضلع المسبع» تأكيدا على وحدة الموضوع.
ثم يظهر الموروث على استحياء بذكر قول أبي سهل الحسين بن رستم الكوهي، واستخراجه ضلع المسبع بخط قسم بثلاثة أقسام على نسبة مخصوصة، وهو الخط الذي تتم به مقدمة أرشميدس. وتظهر الإيمانيات الأخيرة في البسملة والحمدلة والصلاة على أفضل الأنام، مع تاريخ النسخ.