تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38

وبالنسبة للوافد اليوناني يتقدم جالينوس ثم ديسقوريدس ثم أبقراط ثم اليونان ثم الروم ثم أرسطو. فلا يأتي أرسطو إلا مؤخرا في المرتبة السادسة. في الكتاب الأول عن الأمور الكلية يتقدم جالينوس، وفي الكتاب الثاني عن الأدوية المفردة يتقدم ديسقوريدس. جالينوس هو الوافد الأول في الطب أي في التشخيص، وديسقوريدس هو الوافد الأول في الأدوية في العلاج والصيدلة. ويقل جالينوس تدريجيا في التحول من النقل إلى الإبداع، ويكثر ديسقوريدس في الأدوية؛ لأن النقل فيه أكثر من الإبداع، بل إن جالينوس يتفاوت أحيانا في تردده بين الكثرة والندرة في أول المجلد وآخره، ثم يتلوها أبقراط وروفس ثم أرسطو. ومن حيث الثقافات يتقدم اليونان على الرومان.

39

وفي المجلد الثاني الذي يضم أمراض الأعضاء عضوا عضوا، يتصدر جالينوس على أبقراط، وتقل أسماء الأعلام نظرا لغياب أسماء الأدوية، ثم يذكر أركاغيس وبولس وروفس، ولا يذكر أرسطو وأفلاطون وديسقوريدس إلا مرة واحدة.

40

وفي المجلد الثالث يتصدر أيضا جالينوس وأبقراط، ثم صفة اليوناني والرومي، ثم يظهر أرسطو والإسكندر وأرسطوماخوس وبولس، ثم أرسطراطس وفيلاكسانس وقاطاجانس وفيلون الطرطوسي. كان الأطباء كثيرين، ولم يشتهر منهم إلا جالينوس وأبقراط لأنهما يجمعان بين الطب والحكمة، في حين أن الآخرين مجرد أطباء ممارسين.

41

ويغلب الوافد اليوناني في أسماء الأدوية؛ وذلك لترجمته مبكرا عن طريق نصارى الشام، ومعرفة مصطلحاته الطبية قبل معرفة الوافد الشرقي الهندي أو الصيني أو الفارسي. كما أن الجوار الجغرافي والثقافي مع الشام كان أكثر قربا من الجوار الجغرافي والثقافي مع الهند والصين وفارس. كانت اللغة العربية لغة نصارى الشام؛ فقد كانوا عربا لغة، ويونان ثقافة، ونصارى دينا، ومسلمين حضارة وموقفا، في مقابل الاختلاف اللغوي والثقافي بين العرب يهودا ونصارى ومسلمين من ناحية، وبين أهل الهند والصين وفارس. كان العرب أهل شعر وفصاحة، بينما كان الهند أهل دين ورياضة، والصين أهل علم وتجارة، والفرس أهل أخلاق وسياسة.

وتدل كثرة الأسماء الطبية على قدرة فائقة على إيجاد مرادفات عربية للألفاظ اليونانية والفارسية والهندية والصينية، وهو عمل إبداعي لغوي. ليس النقل مجرد العثور على لفظ مقابل لفظ، بل فهم معنى اللفظ المنقول منه، وإيجاد ما يقابلهم في اللغة المنقول إليها؛ فإن صعب النقل أخذ التعريب؛ مما يكشف عن المصادر اليونانية والفارسية لأسماء الأدوية. وقد تشتق الأسماء من أماكنها المحلية، مثل السوسي والطرطوسي والنبطي والصيني والهندي والقرشي والقلزمي واليمني والبحريني والبالي والمكي والعباداني. وقد تؤخذ من المناطق والأقاليم، مثل البحري والبري، أو من الطوائف مثل اليهودي.

42

وقد تشتق من الوظائف، مثل المسخن والمبرد والمرطب والميبس. وقد تنسب إلى أسماء الأطباء، مثل كحل أرسطراطس، وحب أفلاطون، ودواء أندروماخوس، ودواء لنياوس، ودواء جالينوس، ودواء ديسقوريدس.

وابن سينا على وعي تام بالفرق بين الأسماء والمسميات، بين الألفاظ والأشياء، بين الاصطلاح والموضوع. وقد تكون الإحالة إلى الوافد من أجل بيان نشأة التسمية، كما بين الفارابي من قبل اشتقاق كلمة الفلسفة. فالأمراض تلحقها التسمية إما من الأعضاء الحاملة لها، مثل ذات الجنب وذات الرئة، أو من أعراضها كالصرع، أو من أسبابها كالسوداوي، أو من التشبيه مثل داء الأسد والفيل، أو إلى طبيب يذكره، مثل قرحة طيلانة نسبة إلى طيلانس، أو منسوبا إلى بلدة بكثرة وقوعها فيه، مثل قروح بلخية نسبة إلى بلخ، أو إلى بلدة مشهورة بالنجاح في معالجتها، مثل قرحة سيروتية، أو من جواهرها وذواتها كالحمى والورم؛ فالأسماء الوافدة لا تدل على تبعية، بل على كيفية اشتقاق الأسماء، كما هو الحال في المعاجم اللغوية للمصطلحات العلمية. وأحيانا تترجم الأسماء حرفيا، مثل «سيقومورون»، ومعناه التين الأحمق.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٦٠