تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نسوا الله فأنساهم أنفسهم . لا فرق بين المسلم والمسيحي نظرا لقول المسيح «ماذا ستربح لو كسبت العالم وخسرت نفسك؟» إنما الخلاف بين الحكماء والأنبياء في أولوية العلة والمعلول. عند الحكماء، الأولوية للإنسان «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، وعند الأنبياء تتداخل أولوية الله مع أولوية الإنسان

نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، وهو الفرق بلغة العصر بين العلمانية والدين، بين العقل والإيمان، بين اليونان والقرآن. ويستشهد ابن سينا بالآية تأييدا لنفس المعنى، من نسي ينسى، ومن ذكر يذكر. القرآن والحديث أصل الوافد، رافدان في التأليف معه، خاصة وأن أقوال العلماء والحكماء والأولياء والأوائل في الأنبياء عند الأنا وعند الآخر متشابهة، وتتلاقى على أهمية موضوع النفس كمقدمة لمعرفة الله، إنما الخلاف في العلة والمعلول، عند الحكماء العلة للنفس والله هو المعلول، وفي القرآن العلة لله والنفس هو المعلول، في حين أن الفعل أيضا، فعل النسيان أو التذكر، للإنسان أولا. القرآن والحكمة إذن متفقان، لا فرق بين الوافد والموروث. يؤكد الوافد على الإيجاب، الذكر، في حين يؤكد الموروث على السلب، النسيان. كما تظهر ألفاظ الموروث، مثل الإلهي، الوحي، الأنبياء، المعجزات، أكثر من ألفاظ الوافد. ولا فرق بين الإسلام والمسيحية، بين معجزات الأنبياء والأولياء ومعجزات المسيح والحواريين والرهبان، بين الطب العلمي والطب النبوي. وقد جمع الفلاسفة بين النوعين من الطب.

32 (د) وكتاب «القانون في الطب» لابن سينا من نوع تمثل الوافد قبل تنظير الموروث.

33

وقد كان الشائع أنه إبداع ذاتي خالص لا يحيل إلا إلى ذاته، إلا أن تحليل المضمون يكشف أولوية الوافد على تنظير الموروث. والوافد الغالب هو الوافد الشرقي على الوافد الغربي في المجلدات الثلاثة التي تضم الكتب الخمسة، أولوية للهند والصين وفارس على اليونان والرومان، على عكس ما هو شائع من غلبة الوافد اليوناني.

34

في المجلد الأول يتصدر الوافد الشرقي على الوافد الغربي؛ الهند ثم الصين ثم العرب ثم الشام ثم فارس ثم أرمينيا ثم النبط ثم مصر ثم الخوزي واليمني والمكي. وتظهر صفة العرب في الصمغ العربي وبلاد العرب وبلاد الشام.

35

وفي المجلد الثاني الذي يشتمل على أمراض الأعضاء عضوا عضوا، يتصدر الوافد الغربي على الشرقي، الهند ثم الصين ثم اليمني والعربي والأرمني. وفي المجلد الثالث الذي يشمل الكتابين الرابع عن الأمراض الجزئية التي لا تختص بعضو عضو، والخامس عن الأدوية المركبة ، يتصدر الوافد الشرقي من جديد على الوافد الغربي، الهند ثم الصين ثم فارس والكندي ثم اليهود ثم الكرماني ثم العربي ثم أهل الإسكندرية والسوري وآسيا والأرمن.

36

ويظهر التمايز بين الأنا والآخر في استعمال الضمائر، ضمير المتكلم المفرد «أقول»، أو الجمع «نقول»، «قلنا»، «عندنا»، في مقابل «يقال»، «قال قوم»، «قال بعضهم»، «قالوا». ولم يرد لفظ «يقول» على الإطلاق الذي أصبح عنوانا على التبعية والتقليد في الأحكام الشائعة. ويدل استعمال المبني للمجهول على أن المهم هو القول وليس القائل. وقد يظهر هذا التمايز في عبارة واحدة، مثل «فهذا قوله ونقول»، «قال ونحن نقول»، «كلامنا في الأذهان في هذه الجملة على شرطنا». كما يعقد ابن سينا تقابلا آخر بين القدماء والمحدثين دليلا على التواصل والاختلاف الحضاري في الزمان، وعادة ما يكون القدماء أفضل من المحدثين تواضعا من العلماء.

37

ومع ذلك فالدافع على تأليف الكتاب محلي صرف بناء على سؤال بعض الإخوان لتأليف كتاب في الطب يشمل قوانينه الكلية والجزئية، بين الشرح والاختصار، وهو كتاب ضروري لكل من يدعي صناعة الطب، ويريد التكسب بها. يضم أقل القليل للطبيب دون زيادة غير مضبوطة. وكان ابن سينا ينوي، إن أخر الله في الأجل، وساعده القدر، أن يعيد تأليفه؛ لأن الكتاب مجرد صياغة أولى.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٥٩