تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

| ثانيا: المترجمون

(1) حنين بن إسحاق

المترجمون نقلة وشراح ومؤلفون في نفس الوقت، تدخل أعمالهم في الترجمة والتعليق والشرح والتلخيص والعرض والتأليف، وإن كانت الترجمة هي الغالبة. ولما كانوا في بداية الحركة الفلسفية وأول من اتصلوا بالوافد عن طريق النقل، غلب على مؤلفاتهم تمثل الوافد. ولأنهم كانوا من النصارى، فقد قل تنظير الموروث أو غاب كليا؛ نظرا لأنه لم يكن رئيسيا في ثقافتهم بالرغم من أنهم كانوا على صلة بالحكماء، مثل يحيى بن عدي والفارابي.

ولا تدخل هذه المؤلفات ضمن تاريخ الأدب العربي المسيحي، بل ضمن تاريخ الفكر الإسلامي؛ لأنها لا تمثل تيارا مستقلا داخل الحضارة الإسلامية، بل تشارك في نفس التحليل العقلي المثالي للأخلاق أسوة باليونان، كما هو الحال في «تهذيب الأخلاق» ليحيى بن عدي؛ فاليونان هم القاسم المشترك بين الحكماء والمترجمين، وهي جزء من العمليات الحضارية ومراحل التحول من النقل إلى الإبداع في الحضارة الإسلامية، من الترجمة والتعليق إلى الشروح والتلخيص والعرض والتأليف، إلى الإبداع الخالص أسوة بنصوص حكماء الإسلام؛ فالعمليات الحضارية لا تفرق بين مؤلفين مسلمين ومسيحيين ويهود ومجوس. كما لا تدخل هذه المؤلفات ضمن تاريخ العلم العام، في المرحلة العربية الإسلامية بعد الشرق القديم، ثم اليونان مع العصر الوسيط المسيحي تمهيدا لتاريخ العلم العربي؛ فلكل حضارة تاريخها الخاص وتحقيبها للتاريخ العام بناء على مركزيتها؛ فالعلم العربي الإسلامي ليس في العصر الوسيط، بل في المرحلة الأولى للحضارة الإسلامية التي أرخ لها ابن خلدون قبل أن تأتي في المرحلة الثانية بعد ابن خلدون وحتى الآن، في عصر الشروح والملخصات، وحتى فجر النهضة العربية الحديثة.

ولا تدخل هذه المؤلفات كجزء من تاريخ العلم العربي في مصادره الأولى؛ لأنها جزء من بنية ثقافية حضارية إسلامية مع باقي العلوم، وإبداعها في تراثها وعصرها، وليس بالقياس إلى العلم الغربي الحديث. هي جزء من علوم الحكمة؛ فالعلوم الطبيعية والرياضية جزء من الطبيعيات، وليست علوما مستقلة عن نسق العلوم العام الذي بدأ في «إحصاء العلوم». (أ) ولحنين بن إسحاق (264ه) «في حفظ الأسنان واللثة واستصلاحها»، وهو صاحب التفرقة بين أنواع تأليفه بين الثمار والتفسير والجوامع قبل ابن رشد، وهو تأليف علمي دقيق خال من الإنشاء، يظهر الوافد فيه على استحياء؛ أبقراط، ثم جالينوس، طبيبان في ذهن طبيب، والإحالة إلى قدماء الأطباء وحكماء الأطباء؛ ففي موضوع القيء جميع الأطباء خلا أبقراط يأمرون من يحتاج إلى القيء في الشهر مرتين، وهو أمر أن يكون في الشهر مرة. ويعتمد حنين على وصف جالينوس للسنين.

1

ولا يقتصر الوافد عند حنين على الوافد اليوناني، بل يشمل أيضا الوافد الهندي؛ إذ يتحدث عن الساذج هندي؛ فقد كان التراث الهندي سابقا على التراث اليوناني في شبه الجزيرة العربية عبر التجارة.

2

ومن مؤلفات المترجمين النصارى تظهر البنية الإسلامية أيضا من المؤلف أو الناسخ باعتبارها بيئة حضارية عامة للمسلمين والنصارى على حد سواء. تظهر البسملة والحمدلة والصلاة على الرسول وآله، والاعتماد على المشيئة الإلهية، مع بعض الصفات الأصلية الفلسفية، مثل «واهب العقل والحياة».

3 (ب) وفي «المسائل الطبية» له أيضا، المضموم إليها مسائل حبيش بن الحسن على مذهب أبقراط في الطب؛ فالتأليف عمل جماعي، يتصدر جالينوس وباغلوس الفيلسوف وأندروماخوس في فقرات متتالية، وكأن الوافد قد تم حصاره بالتأليف متحولا إلى تراكم في إبداع خالص.

4

ويذكر كلهم في تاريخ الأدوية المفردة والمركبة لعلاج سم الأفاعي. فكان المبدع الأول باغلوس الفيلسوف، ثم أندروماخوس المتمم والمكمل له، ثم جالينوس المصحح له والمظهر لحسناته وفضائله، ثم جاء حنين بن إسحاق المؤلف نفسه متحدثا عن نفسه كآخر جزء من التاريخ، انتزع من جالينوس قولا مجملا، وجعله مثل البذر لطالب الغلة من كتاب الترياق. اكتملت الحقيقة عند جالينوس ثم اجتهد في بيانها حنين، كما اكتملت الديانات السابقة في الإسلام ولم يبق بعده إلا الاجتهاد في التشريع.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ٣