ويقوم الكتاب على التقابل بين الطبيعة والجسد؛ فالطب جزء من الطبيعيات، ومنهجه البحث عن التشابه والاختلاف بين الأمراض لإيجاد تشخيص أو علاج كلي للأسباب الأولى؛ فقد يكون الاختلاف ظاهريا وليس بالحقيقة، وقد يكون التشابه ظاهريا والاختلاف حقيقيا. ويحدد الرازي الغاية والمنهج والأسلوب أولا من أجل تأسيس العلم. يصنف الأمراض من الرأس إلى القدم، من أعلى إلى أدنى، بناء على تصور لا شعوري موروث من الفيض أو من سلم القيم.
2
ويعتمد هذا التصور على العقل والتجربة، القياس والمشاهدة، في تصور حتمي عام لقوانين البدن والطبيعة، بطريقة السؤال والجواب، وما هو أليف في تأليف كتب الطب بحثا عن أسلوب ونوع أدبي ولغة، بالرغم من وجود بعض المصطلحات المعربة. وكان سبب التأليف هو التنظير المباشر للواقع، وتلبية لحاجة العصر، وكرد فعل على نقل الطب من الكتب دون تأسيس العلم بالقياس والتجربة، واكتشاف القوانين الطبية الكلية بمنطق التشابه والاختلاف؛ فبالرغم من ذكر جالينوس إلا أن الإبداع منذ البداية كرد فعل على نقل الأطباء. ويعتذر الرازي عن القدماء؛ فتقصيرهم ليس في ذاته، فقد اجتهدوا قدر الوسع والطاقة، ولكن لتغير الزمان وتقدم العلم.
3 (ب) وفي «كتاب القولنج» لا يذكر جالينوس إلا مرة واحدة في معرض النقد الذاتي؛
4
فقد راجع جالينوس موقفه في كتابه في الأعضاء الأولية؛ مما يدل على أن الرازي يعلم مقدار الاجتهاد في الطب، صوابه وخطئه، وضرورة مراجعة أحكام الأطباء منهم ومن غيرهم. وهو نص واضح ومركز دقيق، سهل الأسلوب، ويتضمن الوصف والتشخيص والعلاج بالنباتات وليس بالكيماويات. وبالرغم من قلة الوافد وغياب الموروث إلا أن البيئة الدينية تظهر في بداية النصين الطبيين للرازي؛ البسملة، والحمدلة، والشكر على النعم، والشهادة على الوحدانية في السر والعلن، وطلب الرحمة والغفران، والصلاة على النبي وآله أجمعين؛ كما تظهر الدعوات بالتوفيق وتعليقه على المشيئة، وبعض العبارات الفلسفية مثل واهب العقل.
5 (2) الخازن
وإذا كان جالينوس عند الرازي في الطب هو نموذج الوافد، فإن إقليدس وديوفنطس ونيقوماخوس الرياضي هم نماذج الوافد في «المثلثات القائمة الزاوية المنطلقة الأوضاع» لأبي جعفر الخازن من علماء الرياضيات في القرن الرابع الهجري،
6
فيستشهد بكتاب الأصول لإقليدس وليس نقلا عنه؛
7
إذ يضع الخازن نظريته ثم يتبعها بعبارة «على نحو ما بين ...» ويحدد الشكل والمقال من كتاب الأصول، ودون أن يذكر مؤلفه إقليدس نظرا لشهرته، ولاستقلال العمل عن صاحبه في بناء العلم. ويؤرخ للرياضيات اليونانية، ويبين كيف استمد نيقوماخوس صناعة العدد وأصولها من إقليدس. ويحيل الخازن إلى ديوفنطس بنفس الطريقة، الاستشهاد به على القسمة العددية، أو عرض الموضوع ذاته الذي يوضح ما أراده ديوفنطس؛ فدراسة الخازن توضح ما تركه ديوفنطس غامضا. كما يحيل الخازن إلى أصحاب الارتماطيقي والمفسرين لكتاب الارتماطيقي؛ مما يدل على علمه بالأدبيات حول علم الحساب بصرف النظر عن أشخاص المؤلفين؛ فالعلم له أوائل هي كليات، وكماله في الجزئيات.
8
وبالرغم من الطابع التجريدي للرسالة إلا أنها تكشف عن مسار الفكر في عبارات التقديم والاستدراك، وكلما خفت الدعوات الدينية خفت الدعوات إلى السلطان، وكلما قلت الدعوات لله قد تختفي الدعوات للسلطان.
9 (3) السجستاني
وبالرغم من أن أبا سليمان السجستاني هو الراوي عن الفلاسفة والمصدر الرئيسي لأبي حيان كمؤرخ للفلسفة في «صوان الحكمة»، إلا أن رسالته «في المحرك الأول» من نصوصه النادرة التي يظهر فيها تمثل الوافد الفلسفي قبل الفارابي وابن سينا وابن باجه وابن رشد، لا يظهر في النص إلا أرسطو والإسكندر الأفروديسي والفيلسوف والسماع الطبيعي (مرة واحدة)، بحيث يمكن أن توضع بين تمثل الوافد والإبداع الخالص في هذا الوقت المبكر، والموضوع بين الطبيعة وما بعد الطبيعة. ويذكر أرسطو في معرض الدفاع عنه ضد سوء تأويل الشراح له؛ فالمسلمون أولى بأرسطو من شراحه اليونان مثل الإسكندر، كما حدث في سوء تأويل المقالة الثامنة من السماع الطبيعي بفهمها على مستوى الطبيعة الحسية، وليس على مستوى الميتافيزيقيا والتجريد العقلي. وتسمية أرسطو الفيلسوف بداية للتحول من الشخص إلى الرمز في مسار القضاء على تشخيص العلم في العلماء. وبالرغم من قصر المقال تكثر عبارات وصف مسار الفكر، وتنتهي بالحمدلة والصلاة على خير الخلق وآله.