34
وهو أقرب إلى الإبداع الخالص في هذا العصر المتأخر؛ إذ لا تتجاوز الإحالات إلى الوافد جالينوس، ولا يتعدى الموروث حكاية ظرفية عن ضعف بصر أحد الأولياء، فرأى النبي وشكا له، فأمره بالاكتحال بحروق قشر اللوز الحلو. كما يذكر العود الهندي والهندبا وطاعون مصر والشب اليماني وغيره.
35
يعتمد النص على الأقل الخالص، وفي نفس الوقت يجمع ما تفرق من تصانيف ويغني عنها كالسهل الممتنع. ويصنف الأمراض من أعلى إلى أدنى في البدن. وفي البسملة والحمدلة تظهر العبارات الدينية الطبية، مثل الحمد لله الذي جعل نوع الإنسان أكمل الأنواع، وميزه بالنطق والإدراك والاختراع، وجعل صحة بدنه وعقله سبب وجوده، والصلاة على محمد الذي اعتدل في الجسم والأخلاق والطباع، وعلى آله وصحبه الأتباع. لا دواء ولا داء إلا بمشيئة الحكيم الأقدس، وهو الأعلم والملهم للصواب. وتتدخل الخرافات برسم ما ينفع الطاعون من الطلاسم تكتب فيها البسملة وآية
أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ، أو
ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا ، وعدد آخر من الآيات، مع بعض الأسماء الحسنى، مثل: فرد، حي، قيوم، حكم، عدل، قدوس، في شكل رباعي، إلى آخر ما هو معروف من الطب السحري الخرافي. ويخاطب القارئ؛ فالقارئ جزء من الخطاب حتى هذا العصر المتأخر.
رقيب
مقتدر
خلاق
عليم (3) المنذري
وكعادة كل الأشكال الأدبية في صلة الوافد بالموروث، تنتهي كلها في القرون المتأخرة بسيادة الموروث الخرافي الشعبي، سواء في الطب أو في الفلك، في بدن الإنسان أو في بدن الكون، في العالم الأصغر أو في العالم الأكبر؛ فإذا كانت «تذكرة داود» أو القليوبي هو النموذج للطب الشعبي، فإن «كشف الأسرار الخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية» للعلامة عمر بن مسعود بن ساعد المنذري (1160ه) يعتبر نموذج الفلك الشعبي، والتحول من علم الهيئة أو علم النجوم إلى علم التنجيم.
36
وفي هذه الحالة تقل دلالة الموروث والوافد، العنصرين المكونين للإبداع الفلسفي لصالح الواقع النفسي والاجتماعي للعلوم الإسلامية التقليدية. ويتضخم هذا المكون الثالث لدرجة احتوائه للمكونين الأولين؛ فالموروث هو الموروث الخرافي الأسطوري الموضوع، والوافد هو الوافد الخرافي الشعبي المنحول. يصبح الإبداع غير مشروط بمكوناته الأولى وتعبيرا عن الخيال الحر، فيتحول العلم إلى خرافة، والواقع إلى أسطورة، والعقل إلى خيال.
تظهر أسماء الأعلام في الجزء الأول، وتقل تباعا حتى تختفي كلية الجزء السادس. البداية بالتاريخ، والنهاية خارج التاريخ. كما يقل عالم الحروف الرقمية في الجزء الأول، ويكثر تباعا حتى يسود كلية الجزء السادس. البداية بعالم الأشياء، والنهاية بعالم الرموز.
يتضمن الجزء الأول «في تقرير أصول علم النجوم والاضطرار إليه، وفيما يخص كل برج وينسب إليه» واحدا وأربعين بابا تبين فضل علم الحكمة والنجوم والبحث عن الأسرار وأثر عالم النجوم والسحر المبني على تصفية النفس، وكلها بإذن الله.
37
وكلها إسقاطات من النفس على الطبيعة، والإنشاء على الخبر.
والجزء الثاني «في أحوال الكواكب السبعة السيارة، ومعرفة طبائعها وما يعرض لها من السعادة والنحوسة، وفيما يضاف لها وينسب إليها، وفي قوتها وضعفها ودلالتها» يتضمن ثمانين بابا تختلط فيها الطبيعة بالإنسان، ويتداخل فيها الموضوع بالذات، ويظهر فيها أثر الكواكب في مصائر البشر سعادة وشقاء، وإسقاط العالم الإنساني على العالم الطبيعي في قسمة الكواكب إلى مذكر ومؤنث، وتفاوتها في مراتب الشرف، والصداقة والعداوة، وشقائها وتعسها، ويقينها وحيرتها، وربط الكواكب وحركاتها على أفعال البشر؛ مما يسلب حرية الإنسان وقدراته الطبيعية، وقضاء حوائجه أو وقفها؛ فهي عالم إنساني من الاستعلاء والقوة والفاعلية والكمال.