تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

يكشف ابن باجه حقيقة الظنون التي قيلت عن الفارابي، مثل أن الأقاويل الرياضية بلاغية، ويكشف عن سوء تأويل شرح الفارابي كما يفعل ابن رشد مع شراح أرسطو. وكان ابن سيد قد استخرج بعض البراهين من نوع هندسي لم يشعر بها أحد من قبله دون أن يدونها، بل لقنها شفاها لاثنين؛ الأول استشهد في الجهاد، والثاني ابن باجه الذي استخرجها وزاد عليها، وأضاف إليها مسائل برهن عليها وهو في السجن للمرة الثانية. وكتب عنها إلى الوزير دون تفصيل إتماما لابن سيد واعترافا بفضله؛ فالمحرك الأول له الفضل على المحرك الثاني. ويكشف السياق عن اشتراك العلماء في الجهاد ضد الأعداء في الخارج حتى الاستشهاد، وضد الأمراء في الداخل حتى السجن والاعتقال، وعن الأمانة العلمية لابن باجه في الاعتراف بفضل القدماء ونسبة الحق إليهم دون نسبته إلى نفسه، واستعمال مصطلح المحرك الأول، وهو تصور ديني، كتشبيهات في تحليل الحركة في الطبيعيات. ويظهر الشعر العربي كمادة محلية موروثة؛ فنسبة المنطق إلى الرياضة كنسبة النحو إلى الشعر والخطابة. المنطق نحو الفكر، والنحو منطق اللغة؛ لذلك يروض النحاة المتعلمين بإعراب أشعار العرب، كشعر امرئ القيس وغيره. (د) وفي «النفس النزوعية» من الوافد يذكر أرسطو، ويحال إلى الثامنة من السماع الطبيعي، ثم إلى السماء والعالم والحيوان.

10

والموضوع رياضي طبيعي استبعادا للإلهيات وكأنها انحراف عن المنطق والطبيعة. ويعود ابن باجه إلى الكندي متجاوزا إشراقيات الفارابي وابن سينا؛ مما ساعد مهمة ابن رشد في العودة إلى العقل والطبيعة أساسا للوحي. المشروع الفلسفي في المشرق العربي عند الكندي هو نفسه المشروع الفلسفي في المغرب العربي عند ابن باجه وابن رشد، حصارا لإشراقيات الفارابي وابن سينا في الشرق، وابن طفيل في الغرب.

وابن باجه هو الدارس للشيء والرائي له، والاستشهاد بأرسطو هو إرجاع قوله إلى الشيء المرئي عند ابن باجه. الموروث يوضح الوافد ويؤكده. ويحيل إلى الثامنة، ويفهم أنها من السماع الطبيعي؛ فقد أصبح كل مقال موضوعا توخيا للدقة وتمييزا للموضوعات عن الكتب. لكل متحرك محرك، ومحركه غيره؛ ومن ثم تتوالى أجناس المحرك. ويحيل إلى السادسة في أن الحركة لا أجزاء لها. كما يحيل إلى الثامنة في أن الجمادات ليست تفعل بل تنفعل. ويحيل إلى الخامسة وإلى الأولى من السماء والعالم وإلى الحيوان. ابن باجه هو الدارس، ثم يتبين قول أرسطو بإظهار ابن باجه الشيء المدروس.

ومن الموروث يحال إلى أبي نصر وكتاب الموجودات المتغيرة، كيف يصير ما بالقوة الطبيعية أسفلا أسفلا بالفعل، وكيف يتحرك بحركة محركة؟ فالحكمة مشروع متكامل بين المشرق والمغرب، بين الفارابي وابن باجه. كما يحال إلى لغة العرب لبيان خصوصية اللغة. ويحاول إيجاد أسماء عربية للمعاني الفلسفية، مثل النقلة للحركة في المكان. وإذا قيلت على باقي أصنافه تسمى الانتقال. ويستعمل الأسلوب العربي في زيد وعمرو للإشارة إلى الفاعل أو المبتدأ في النحو، أو الموضوع والمحمول في المنطق.

11 (ه) وفي «النزوعية» يظهر من الوافد أرسطو. ويحال إلى «السماء»، ثم إلى «الكون والفساد»، ثم إلى «الآثار العلوية» و«قاطيغورياس». ومن الفرق يحال إلى المفسرين. ومن الموروث يذكر أبو نصر والمنصور، ثم عبد الله بن علي. كما تذكر العربية والعرب والشرع والسنن؛ مما يدل على أولوية الفارابي وظهور بعض المصطلحات الموروثة.

12

ومن مؤلفات ابن باجه يحال إلى رسالة «الوداع» تأكيدا على وحدة المذهب. ويضرب ابن باجه المثل بقتل المنصور عبد الله بن علي، وإن لم يفعل ذلك بيده، على أن الآلة قد تكون متصلة بالفاعل وقد تكون منفصلة. (و) وفي «المتحرك» من الوافد يذكر سقراط أولا، ثم أفلاطون. ويحال إلى السماع الطبيعي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ١١٤