تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21

والآية الثانية

ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية . وتتضمن صورا فنية لموضوع غيبي قريب الشبه بموضوع الاستواء في علم الكلام؛ فالعرش نهاية الموجودات المبدعة الجسمانية، وليس كما يقول أنصار التشبيه من المتشرعين، أي الفقهاء، من حلول الله فيه وجلوسه عليه. نهاية الموجودات الجسمانية الفلك التاسع، فلك الأفلاك؛ ومن ثم فلا حلول كما بين أرسطو. وهنا يستعمل أرسطو دفاعا عن التنزيه. أما الحكماء الفقهاء فقد أجمعوا على أن العرش هو هذا الجرم، وأن الفلك يتحرك بالنفس حركة شوقية؛ لأن الحركات إما ذاتية وإما غير ذاتية، والذاتية إما طبيعية وإما نفسية؛ فنفسه ناطق كامل فعال، والأفلاك لا تفنى ولا تتغير، كما ذاع في الشرع أن الملائكة أحياء، فهي مثل الأفلاك؛ ومن ثم صح أن العرش محمول على الأفلاك الثمانية. والحمل نوعان؛ بشري من حامل ومحمول، وطبيعي كحمل الماء على الأرض والنار على الهواء، وهو المقصود بحمل العرش دون التماس. وتحديد الحمل بالساعة والقيامة لأن من مات قامت قيامته. ولما كانت النفس الإنسانية مفارقة ارتبطت بوقت المفارقة، الوعد والوعيد. يحول ابن سينا الكلام إلى الفلسفة، والشرعيات إلى كونيات ، ويفسر الاستواء على العرش بالأفلاك، ويعتمد على النقل والعقل مفسرا الشرع بالشرع، والنص بالنص، والكتاب بالسنة. وفي نفس الوقت يثبت المعاد، الوعد والوعيد والثواب والعقاب. يؤكد على الزمان في «يومئذ»، ويهرب من المكان في «فوقهم». لم يتخل ابن سينا عن التصور المكاني كلية؛ فالعرض نهاية الموجودات المبدعة الجسمانية، فهل هو أول الخلق أم آخره؟ مخلوق أم غير مخلوق؟ وأين كان الله يستوي قبل الخلق؟ وإذا كان العرش قديما فهل يوجد قديمان؟ وهي مسائل نظرية لا حل لها إلا في التأويل المجازي كما قال المعتزلة، أو في الصورة الفنية والتخييل كما قال الحكماء دون الوقوع في تأسيس علم كلام فلسفي جديد، بالرغم من السخرية من علم الكلام القديم عند المتشبهة والمتشرعة.

22

ويفسر ابن سينا الآية الثالثة

عليها تسعة عشر

بأن الجحيم هي النفس الحيوانية، باقية دائمة في جهنم، وهي قسمان: إدراكية وعملية. والعملية قسمان: شوقية وغضبية. وهي تصورات الخيال، المحسوسات بالحواس الظاهرة الستة عشرة، والقوة الوهمية حاكمة على تلك الصور حكما غير واجب، واحدة ذاتيا فيكون المجموع تسعة عشر. يحاول ابن سينا إيجاد التجارب الإنسانية المقابلة للأعداد، سواء الثمانية السابقة أو التسعة عشرة الحالية. تصف الآية واقعا إنسانيا كما هو الحال في تحقيق المناط عند الأصوليين. يلجأ ابن سينا إلى هذه الموضوعات الغيبية التي تسمح بالتأويل الفلسفي كما تفعل الصوفية. الجحيم هو الجهل، والنعيم هو العلم. وهو تأويل يفيد مجتمعات الجهل التي تريد أن تتحول إلى مجتمعات العلم. أما الملائكة، فهي القوة اللطيفة غير المحسوسة، صورة فنية للتعبير والتأثير. ويبدأ ابن سينا الآية بأنها ما بلغ النبي محمدا عن ربه، ثم يئولها تأويلا إنسانيا؛ فالإلهي إنساني على مستوى التبليغ والفهم كما يقول المعاصرون؛ لذلك يذكر اسم النبي محمد، ويصلي ويسلم عليه في التبليغ، وصحة دعوته للعاقل، وفي إيصال رسالته إلى العرب الأجلاف.

23

والحديث القدسي الأول «إن للنار سبعة أبواب وللجنة ثمانية أبواب» تبليغ من الله إلى النبي؛ فالأشياء المدركة إما مدركة للجزئيات، الحواس الخمس الظاهرة، ثم إدراك الصور مع المواد أو بدون المواد في خزانة الحواس، وهو الخيال، وقوة حاكمة عليها حكما غير واجب وهو الوهم، وقوة حاكمة عليها حكما واجبا هو العقل؛ فهذه ثمانية إذا اجتمعت أدت إلى السعادة السرمدية والدخول في الجنة، وإن نقصت إحداها أدت إلى الشقاوة السرمدية والدخول في النار. وفي اللغة المؤدي إلى الشيء يسمى بابا؛ لذلك سميت أبوابا، السبعة المؤدية إلى النار والثامنة المؤدية إلى الجنة. وإذا كان العدد الرمزي سبعة، فلماذا زيد واحد في الجنة؟ ولماذا أخذ ابن سينا ثلاث حواس باطنية فقط ولم يأخذ الخمسة كلها مثل التذكر والحس المشترك؟ وهو أيضا موضوع غيبي يمارس فيه ابن سينا منهجه في التأويل بتحويله إلى دلالات إنسانية قياسا للغائب على الشاهد. لقد استطاع ابن سينا تحويل النصوص إلى تجارب إنسانية ومعاني عقلية على أوسع نطاق من العمومية والشمول، ولكن ظل التأويل مرتبطا بثقافة العصر، علم الفلك القديم، وعلم النفس، وطرق المعرفة القديمة. فإذا ما تغيرت ثقافة العصر تغير التأويل. وهل يمكن تجاوز تشخيص الطبيعة إلى الإنسانيات مباشرة وإعطاء تأويل إنساني عام لكل العصور، أم أن التأويل بطبيعته فهم للنصوص في ثقافة كل عصر؟

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروث · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٢) التأليف: تمثل الوافد - تمثل الوافد قبل تنظير الموروث - تمثل الوافد بعد تنظير الموروثص ١١٠