98
وكلام أرسطو أوضح وأبسط وأسهل من شروح مئوليه. يستعمل ابن رشد برهان الخلف في تفنيد التأويلات الخاطئة لأرسطو من أصل إثبات المحال الذي ينتج عنها، وينتهي إلى بعد غور أرسطو وفطرته الفائقة وقدرته على الوصول إلى الحق. والعمق والفطرة مقياسان إسلاميان، العمق والوضوح، الباطن والظاهر. يهدف ابن رشد إلى معرفة الشيء وتأويلاته القديمة عند اليونان والجديدة عند المسلمين، فيقوم بتصحيحها والعودة إلى أصل أرسطو.
والحقيقة أن الفارابي وابن سينا كانا يقومان بعمليات حضارية، النقل والاستيعاب، وابن رشد الفقيه يريد العودة إلى النص الأصلي في الفلسفة، مثل ابن حزم وابن تيمية في الكلام. وهذا انتصار لأرسطو لاتفاق قوله مع قول ابن رشد مع الأمر نفسه الذي تم اكتشافه في حضارتين مختلفتين وعبر عنه فيلسوفان.
ومن الموروث يتصدر الفارابي ثم ابن سينا؛ فالشارح أكبر من المشروح؛ ومن ثم يكون هذا المقال أقرب إلى تنظير الموروث قبل تمثل الوافد بفارق ضئيل. يئول الفارابي الكليات ويجعلها ضربين كمذهب ثان في مقابل المذهب الأول، والمذهب الثالث هو تأويل ابن سينا. ويجمع ابن رشد بين التأويلات الثلاثة، القديم والفارابي وابن سينا، ليفصل بينهما كما يفعل القاضي بين المتخاصمين، حتى لو اضطره ذلك إلى الدفاع عن ابن سينا بعد اكتشافه خلل الفارابي. وتأويل ابن سينا هو اعتبار المقول على الكل محمولا لا على كثيرين؛ وبالتالي يكون مفهوم القول على ضربين، الأول يشير إلى الموضوعات ذاتها، والثاني ليس في موضوع. كما يئول ابن رشد أرسطو عن طريق الخلف. لو أراد الشراح ما قاله أرسطو لذهب مذهب أبي نصر مفسرا الأصل باستحالة الفرع. ومناهج هذه القراءات المتداخلة والمتراكمة أهم من موضوعاتها؛ فالأزمة والحل في المنهج أكثر منها في الموضوع. وكما يبدأ المقال بالبسملة، وطلب العون من الله، والصلاة والسلام على محمد وآله، ينتهي بالدعوة إلى الله بالتوفيق. (ك) وفي «المقاييس الممكنة» يذكر الحكيم وأرسطو ثم ثامسطيوس. فالرمز له الأولوية على الشخص، والشارح يعادل المشروح. ويحال إلى كتاب السفسطة لأرسطو.
99
وابن رشد كالعادة ضد ثامسطيوس ومع أرسطو؛ فلما احتج ثامسطيوس على أرسطو مسيئا تأويله وعدم فهم موضعه، أظهر ابن رشد حجج أرسطو ضد شراحه اليونان والمسلمين؛ فبيان أرسطو كلي توهمه ثامسطيوس جزئيا، وكذلك شك الفارابي، ودون أن يحل شكه في قول أرسطو بأنه لا يكون قياس من ممكنتين في الشكل الثاني. ويتم الانتقال من الشخص إلى اللقب، ومن أرسطو إلى الحكيم. يخالف ثامسطيوس الحكيم في المقاييس الممكنة الصرفة في موضعين؛ الأول أن القياس الذي يتكون من مقدمتين سالبة وموجبة لا ينتج ممكنة سالبة ولا موجبة في رأي الحكيم، وللحكيم حجة في الإنتاج أو عدمه لهذا الشكل أو ذلك في هذه المادة أو تلك، مرة سالبة ضرورية، ومرة موجبة ضرورية. الحكيم هنا رمز للحقيقة، للأشياء ذاتها، والبرهان العقل. والحكيم يقظ ومنتبه وذكي، لا يرد عليه إلا من كان في منزلته من اليقظة والانتباه والذكاء، وكل رد عليه ممن هو أقل منه يكشف صحة أقوال الحكيم وخطأ أقوال نقاده؛ لأن أقوال الحكيم تتفق مع مجرى الطبع والعادة، بالإضافة إلى ما تقتضيه طبيعة البرهان. يعرض ابن رشد الموضوع الخلافي، ويتحقق من صدق الخصمين، ثم الانتصار لأرسطو دون الشراح، للأصل دون الفرع، حتى ولو كانت موضوعات الخصومة نظرية وليست عملية كما هو الحال في الفقه. وكثيرا ما تنتهي دراسة ابن رشد لننفس الموضوع الخلافي إلى نفس النتائج التي توصل إليها الحكيم نظرا لاتفاق الوحي والعقل والطبيعة. وقد خالف ثامسطيوس الحكيم في توهمه أن البيان الذي استعمله أرسطو جزئيا وليس كليا، وأرسطو بريء من هذا الاتهام. وثامسطيوس يعانده باحتجاجات لا تقنع. كان لدى القدماء صناعات غير برهانية مثل صناعة النحر والذبائح. يمثل القدماء مرحلة التفكير غير البرهاني، ولا فرق بين قدماء المشائين ومتأخريهم. ويحيل ابن رشد إلى السفسطة والخطابة دون تحديد هل يشيران إلى الكتاب أم إلى العلمين.