45
ويبدو من الأماكن غلبة الموروث المطلق على الوافد. فمن ست وخمسين مرتبة تظهر بلاد الروم في المرتبة الخامسة والأربعين، في حين أن بغداد ومصر والشام ودمشق والبصرة والعراق والموصل وحلب والكوفة ومكة والمدرسة النظامية والمدينة والأندلس والقاهرة والديار المصرية ونيسابور وفارس والمغرب وواسط وأصفهان وأفريقية ومرو وإربل والإسكندرية وحمص ومراكش وقرطبة والقدس وبخارى وبلخ وخوارزم وسبتة؛ كل ذلك يأتي قبل بلاد الروم مما يدل على تواري الآخر كلية لحساب الأنا.
46
ويتضح أن عواصم الثقافة العراق ومصر والشام. أما الوافد الشرقي مثل الهند، فإنه يأتي في المرتبة السابعة والأربعين بعد بلاد الروم. كما تبدو أهمية المدرسة النظامية وباقي مدارس التعليم.
كما تبدو الأولوية المطلقة للموروث على الوافد في المصادر التي اعتمد عليها ابن خلكان ومعظمها مصادر الكتاب والأدباء والمؤرخين والشعراء والنسابين والنقاد، والنحويين والفقهاء.
47
ولا يوجد فيها نص فلسفي واحد. ويبدو فيها النقل دون الاعتماد على المشاهدة والرواية المباشرة وتفسير الأحداث.
ومن المصادر يذكر ابن خلكان أسماء كتب عديدة في المتن؛ ما يقرب من الألفين.
48
في خمس عشرة مرتبة. ومن نصوص الفلاسفة لا يكاد يذكر إلا خمسين منها؛ أي ما يزيد عن 4٪ من مجموع الكتب المذكورة. تأتي مؤلفات الغزالي في المقدمة ثم الرازي الفيلسوف، ثم ابن سينا، ثم ابن حزم والتوحيدي ثم الرازي الطبيب وجابر بن حيان وخالد بن يزيد وابن الطبري وأبو البركات البغدادي.
49
وتغلب على مؤلفات الرازي الشروح على الداخل. ومن الوافد لا يذكر إلا المنطق والنفس والسماع الطبيعي لأرسطو، وأيساغوجي، وحيلة البرء لجالينوس، وكتاب إقليدس، والمجسطي لبطليموس مع شرح البتاني لأربع مقالات له.
50
ولا توجد عناصر ثابتة لرسم الشخصية عند ابن خلكان، ومع ذلك فبمقارنة الفلاسفة العشرة المذكورين: إسحاق بن حنين، وحنين بن إسحاق، وثابت بن قرة ، والرازي الطبيب، والفارابي، وابن سينا، والغزالي، وابن باجة، والرازي وابن زهر الحفيد يمكن التعرف على العناصر الآتية:
51 (1)
ذكر الميلاد والوفاة والطالع والاسم والموطن والأسرة، والشهرة والرحلات والتعليم، والصلة بالأمراء والملوك وصورته في عصره. (2)
السمات الشخصية البدنية أو النفسية. فابن سينا كان عبقريا، منكبا على العلم، مزاجه الجماع، والمحنة التي يمر بها الفيلسوف مثل سجن ابن سينا، وموت ابن باجة بالسم في فاس. (3)
ذكر التخصص مثل الطب، ولكن الغالب على البعض الشعر، مثل إسحاق بن حنين وابن باجة وابن زهر وابن سينا والرازي، وعلى البعض الآخر الفلسفة مثل ثابت بن قرة. والرازي فقيه أكثر من فيلسوف. (4)
الأعمال والمصادر والأسلوب والعبارة؛ أي التأليف والمعرفة باللغات مثل الرازي ومعرفة اللسانين العربي والأعجمي. مع الاستشهاد بأقوال تلاميذه وأقرانه. (5)
التقييم النهائي مثل الحكم على إسحاق بن حنين بأنه خال من الأهمية العلمية والفلسفية، وابن زهر الأندلسي الحفيد شاعر وليس طبيبا، والرازي فقيه أكثر من فيلسوف، والرازي يفوق أرسطو وبطليموس عظمة ويذكر من شعره:
المرء ما دام حيا يستهان به
ويعظم الرزء فيه حين يفتقد
والفارابي فهم أرسطو. وابن باجة جمع بين الشعر والفلسفة. ويروى عن خاقان القيسي في «قلائد العقيان» اتهامه بالكفر في نص طويل به حيثيات التكفير: التعطيل، وانحلال العقيدة، ورفض الكتاب، والقول بتدبير الكواكب، والسخرية من المعاد، وبالتالي إنكار الأديان.
52 (4)
وينهار هذا النوع الأدبي في تدوين تاريخ الفلسفة حتى العصر الحاضر في قواميس الأعلام مثل «الأعلام» لخير الدين الزركلي وغيرها؛ إذ يتوه الفلاسفة بين «تراجم أشهر الرجال من العرب والمستعربين والمستشرقين». فيه كل شيء من الشرق والغرب، الماضي والحاضر، الأنا والآخر، مع ذكر المصدر المنقول عنه تاريخ الميلاد والوفاة أو الوفاة فحسب. وتذكر الأعلام طبقا للترتيب الأبجدي مع بيان كيفية تعريب الاسم في المقدمة. وكان مقياس الاختيار لهذه الأعلام السؤال عنهم، وهو الدافع على تأليف الكتاب. ويتحول التدوين إلى مجرد أعلام بالأسماء وإعطاء معلومات مدرسية قاموسية صغيرة للمبتدئين بلا رؤية أو قراءة أو تأويل.