126
ويغلب على التصنيف العلوم. وداخل كل علم العصور أموي أو عباسي مثل القراءات والتفسير والحديث والتصوف أو الجمع بين العصر والمذهب مثل العقائد والفقه. وكان المشروع في البداية يشمل ثلاثة مجلدات لم يخرج إلا الأول، والثاني لم يتم، والثالث لم يصدر على الإطلاق. يشمل المجلد الأول علوم القرآن، القراءات والتفسير وعلم الحديث طبقا للعصرين الأموي والعباسي. ويشمل المجلد الثاني الفقه والعقائد. وكل منهما ينقسم إلى عصور: أموي وعباسي ومذاهب. والفقه العباسي ينقسم إلى المذاهب الأربعة أو إلى مذاهب الشيعة والسنة: الإمامية، والزيدية، والإسماعيلية، والقرامطة، والنصيرية، والإباضية، أو إلى مذاهب مستقلة. كما تنقسم العقائد العباسية إلى سنة ومعتزلة، مع أن مذاهب الشيعة ليست فقط في الفقه بل في العقائد. ولم يتم إكمال الشعر والنثر واللغة والأدب؛ أي علوم العرب قبل الإسلام. والمجلد الثالث الذي لم يخرج، فإنه كان من المفروض أن يشمل العلوم الفلسفية: الترجمة والفلسفة والعلوم الطبيعية.
| سابعا: أسماء الأعلام
(1)
كان أول من دون تاريخ الحكماء عن طريق أسماء الأعلام هو إسحاق بن حنين (298ه) في «تاريخ الأطباء والفلاسفة».
1
وهو نص قصير دخل في معظم كتب تاريخ الفلسفة التالية.
2
لا يهم الترتيب الزماني؛ فالمعاصرة خارج الزمان، مثل تتلمذ خالد بن يزيد على يحيى النحوي الذي عاش في الإسكندرية قبل ظهور الإسلام بقرن.
والمصدر الرئيس لإسحاق هو يحيى النحوي، لأنه أجود التواريخ وأصح الآراء. وهو المحب للتعب، إذا درس شيئا استقصاه وأوفاه. أول الأطباء أسقليبيوس وآخرهم جالينوس، وزاد إسحاق الفلاسفة المعاصرين للأطباء ليكون أتم وأشمل.
3
نسخه إسحاق وصححه، وأكمل ما بدأه، وحوله من عمل تقريبي ظني إلى عمل يقيني تاريخي.
وتشغله قضية البداية. أول من اشتغل بالطب ردا على مناظرة بين أبي العباس بن فراس وابن العباس بن شمعون عن أقدم الأطباء، أبقراط أو من سبقوه بحضرة الوزير. وهي سبب تأليف الكتاب بناء على أمر الوزير. وتدوين التاريخ صعب خاصة لو كان البعيد، وليس في متناول كل المؤرخين. وكل مؤرخ يتناول حسب ما وقع إليه أو ما سمع عنه. أما المؤرخ الفيلسوف فهو الأقدر على التاريخ. فطلب الوزير من إسحاق كتابة تاريخ صغير يحل فيه المسألة. وكان ذلك حوالي 290ه. ويذكر الأطباء بناء على الكتب المدونة والأحاديث المشهورة من العلماء الثقات.
4
ويخضع التصنيف لقسمة عقلية تطابق الواقع التاريخي حلا لقضية البداية والخلاف حولها. فالأجسام إما محدثة، وبالتالي يكون الطب حادثا عند قوم، وإما قديمة وبالتالي يكون الطب قديما عند قوم آخرين. وقد يكون الطب مع حدوث الإنسان مصاحبا له، أو يكون بعد حدوثه فيكون تاليا له. فإذا كان بعد حدوث الإنسان فإما أن يكون إلهاما أو كسبا. فإذا كان إلهاما فإنه قد يكون رؤية أو تجربة. وإذا كان كسبا فإما أن يكون قد نشأ في مصر ودواء الراسن أو عند هرمس الذي استخرج الصنائع والفلسفة ومنها الطب أو عند أهل فولس الذين استخرجوا الأدوية القابلة التي عالجت امرأة الملك أو من أهل موسيا وأفروجيا الذين عالجوا الأمراض بالألحان وأول من عرفوا الزمر، فشفاء النفس شفاء للبدن، أو من سحرة فارس أو من الهند أو من الصقالبة.
5
والتقسيم الفرعي كله في الحادث، ولا ينقسم القول بقدم الطب لأن القديم لا ينقسم. وتظهر أهمية المنهج في الطب في القول بالاكتساب، بالقياس أم بالتجربة. ويجمع إسحاق بين الاثنين، فكل منهما مكمل للآخر، وهو رأي أفلاطون الطبيب الذي أحرق الكتب التي تقول برأي واحد! ثم قوى أبقراط القياس والتجربة معا . ثم أتى أطباء بين بقراط وجالينوس وحولوا الطب إلى حيل، وأفسدوه وأخرجوه عن القياس والتجربة حتى أتى جالينوس وقضى على هذه الحيل وأحرق كتبها. ويذكر إسحاق ثمانية أطباء منذ وقت ظهور الطب في جزيرة فو: أسقليبيوس الأول الذي استخرج الطب ثم غوروس ثم مينس ثم برمانيدس ثم أفلاطون الطبيب ثم أسقليبيوس الثاني ثم أبقراط ثم جالينوس الذي ختم الطب. وبطبيعة الحال لم يعرف يحيى بن عدي إلا الأطباء اليونان، ولم يكن قد ظهر حكماء الإسلام بعد. ولكن يضيف إسحاق الأطباء الإسكندرانيين وهم شراح جالينوس. فتاريخ الطب يبدأ باليونان وينتهي باليونان. ويتم حساب السنين بين هؤلاء الأطباء الثمانية بالآلاف، وتنتهي إلى المئات، مما يدل على خلل في حساب التواريخ، وأن المقصد ليس هو الترتيب الزماني، بل الترتيب الذهني. كما يجعل إسحاق حوالي ثمانية قرون منذ جالينوس حتى وقت المناظرة في القرن الثالث الهجري، وهو تاريخ صحيح، فقد عاصر جالينوس المسيح.