29
لذلك يأتي نقل المحدثين قبل إبداع القدماء نظرا لأن الأول هو الباعث على الثاني. هناك إذن علاقة في مشروع «التراث والتجديد» بين الجبهة الأولى «موقفنا من التراث القديم»، والجبهة الثانية «موقفنا من التراث الغربي». الأولى ترى الأنا من خلال الآخر، حين ترى الثانية الآخر من خلال الأنا. الأولى تجدد رؤية الأنا لذاتها من خلال ثقافة العصر، وهي في الغالب ثقافة الآخر. والثانية ترى الآخر العصري من خلال الأنا المتجدد عبر التاريخ ومن أجل رده إلى حدوده الطبيعية ، وإفساح المجال لتعدد الثقافات، ورد الاعتبار لثقافات الأطراف بعد أن كانت ثقافات المركز، وتحويل ثقافة المركز الحالية على الأمد الطويل إلى ثقافة الأطراف كما كانت عبر التاريخ. يمثل «من النقل إلى الإبداع» هذه العلاقة كنقطة التقاء بين الجبهتين؛ فهو دراسة لصلة الأنا بالآخر عند القدماء والعامل الموجه هو صلة الأنا بالآخر عند المحدثين؛ ومن ثم كان أقرب أجزاء الجبهة الأولى إلى الجبهة الثانية. «من النقل إلى الإبداع» لا يدرس كل علوم الحكمة في كل جوانبها المنطقية والطبيعية والإلهية والإنسانية، بل يدرس موضوعا واحدا فقط تبنى عليه علوم الحكمة كلها، وهو موضوع النقل والإبداع، الخيط الذي يربط أجزاء علوم الحكمة بناء على هم العصر وهاجس المحدثين. وهو هم حقيقي يقوم على افتراض الإبداع كما يقوم هم المستشرقين على افتراض النقل.
30
وهذا لا يمنع من قيام دراسات أخرى أكثر دقة حول النص العربي القديم، النص اليوناني وترجماته السريانية والعربية ومراحل الشرح والتلخيص والجمع والتأليف أكثر دقة، ليس استشراقا بل أبحاثا وطنية خالصة تحمل هموم العلم وهموم الوطن، هم التراث وهم التجديد، هم القديم وهم الجديد، رصيد التاريخ وأزمة الإبداع. هناك دافع وطني في البحث العلمي حتى ولو كان مجرد يقظة الذات تجاه الموضوع، خاصة الموضوعات التاريخية والحضارية، تضع الأنا في مواجهة الآخر؛ فالأنا غاية والآخر وسيلة، علوم الأنا هي علوم الغايات، وعلوم الآخر هي علوم الوسائل، خاصة وقد أخذ الآخر موقف الهجوم من الأنا منكرا دوره في التاريخ بعد أن تصدر المركز ودفع بجميع الحضارات البشرية إلى الأطراف. والوعي الحضاري هو أساس الوعي العلمي.
فبعد اتصالنا بالغرب منذ أكثر من مائتي عام، منذ فجر النهضة العربية الحديثة، بدأت علاقة التتلمذ والتعلم على يديه. وتم نقل المعلومات منه إلينا حتى أصبح العالم هو المتعلم؛ أي حامل العلم وناقله وليس مبدعه وخالقه. وطالت مدة نقل المعارف دون أن ينشأ علم جديد. ولما كان معدل الغرب في الخلق والإبداع أسرع بكثير من معدلنا في النقل والترجمة، ازدادت المسافة بيننا. وكلما ظننا أننا قاربنا اللحاق اليوم بما أنتجه بالأمس اتسعت الهوة بيننا حتى نصاب بالصدمة الحضارية، ونيأس من التقدم، ونكتفي بدور التابع، ويصبح الآخر في المقدمة ونحن في المؤخرة، حتى لا نكاد نراه فيتبع بعضنا بعضا. ونتحول إلى تلميذ أبدي لا دور له إلا النقل. ويكون الغرب هو المعلم الأبدي، دوره الأساسي في الإبداع. وتتراكم المعلومات طبقة فوق طبقة، وعلما فوق علم، حتى نطمس معالم الواقع ويغيب التنظير المباشر له. فتكون الثقافة في جانب والواقع في جانب آخر، ويصبح العلم حرفة وليس رسالة، وينشأ التكسب بالعلم، وتظهر طبقة من حملة العلم ونقلة المعلومات، تحصل على الشهادات والأوسمة، وتنال الجوائز المحلية والعالمية، وتصبح نجوما في أجهزة الإعلام تنافس نجوم الرقص والغناء. وتتكافأ النظريات، وتتعادل المذاهب دون قدرة على الاختيار أو النقد إما بمراجعتها على العقل أو بالتحقق من صدقها في الواقع، وتنفصل عن بيئتها الأولى التي خرجت منها، وتصبح «عالمية» خاصة بعد سيطرة أجهزة الإعلام الغربية على وسائل نقل المعلومات، فتنتشر حضارة الغرب وحدها، وتطمس معالم الثقافات المحلية، وتصبح الحضارة الإنسانية ذات بعد واحد، أحادية الطرف، وحيدة القرن. بل إن ثقافات الغرب قد تمت السيطرة عليها بثقافة أعم هي الثقافة الأمريكية؛ أي اللاتاريخي اللاحضاري الآلي الذي حاول الجمع بين الثقافات الأوروبية المحلية، الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والهولندية والإسبانية، على أيدي المهاجرين الجدد والفارين من القانون والباحثين عن الذهب، العنصري الطائفي الذي لم تؤثر فيه فلسفة التنوير في الأعماق، في التصورات وفي السلوك. ولما كانت الثقافة الأساس النظري لكل انتشار آخر، فسرعان ما تعم السيطرة الاقتصادية والعسكرية، وتعم التبعية، وتضيع الهوية لدى كل الشعوب غير الأوروبية. ولا خلاص من ذلك إلا بثورة عارمة مضادة تنقل الأمة من الفعل إلى رد الفعل، من التغريب إلى مقاومة الغرب؛ فمقاومة الغرب إنما هي نتيجة التغريب ورد فعل عليه. يولد الشيء نقيضه، ويتضمنه ليرثه ويحل محله.