تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد طالت فترة الترجمة والنقل عن الغرب بالرغم من مرور أكثر من مائتي عام. ولم نصل إلى مرحلة الشرح والتلخيص الواعي كمرحلة نحو العرض والتأليف من أجل الوصول النهائي إلى مرحلة الخلق والإبداع. لم نصل إلى مرحلة صياغة الحكمة النظرية والحكمة العملية إلى صياغة منطق وطبيعيات وإلهيات كما وصل القدماء. ترجماتنا معظمها عشوائي لأسباب المهنة، والقليل منها قصدي من أجل المساهمة في النهضة العربية المعاصرة.

31

غلب على مصطلحاتها التعريب؛ أي النقل الصوتي للفظ، وليس الترجمة أي النقل المعنوي، حتى امتلأت اللغة العربية المعاصرة بمعظم المصطلحات العلمية الحديثة المعربة، وخلت من الشروح أو التلخيصات أو التعليقات القادرة على الغوص في المعنى وإعادة عرضها بأسلوب جديد، وتوجيه مقاصدها من الوافد نحو الموروث لخدمة الثقافة المحلية وليس ترويجا للثقافة الأجنبية. وما زالت الترجمة مستمرة، ولم نصل بعد إلى مرحلة التأليف الفلسفي المستقل الذي يجتمع فيه الوافد والموروث، أو الذي يتم فيه توظيف الوافد من أجل إعادة صياغة الموروث طبقا لثقافة العصر، وإعادة عرض القديم من خلال الجديد من أجل بداية إبداع ثقافي عربي جديد.

32

كانت الترجمات امتدادا للموروث داخل الوفد وترويجا لثقافة الخارج في الداخل كنوع من الوكالة الحضارية له؛ فالعقلاني يروج للعقلانية، والعلمي يترجم الاتجاهات العلمية، والإنساني الوجودي ينقل الوجودية، والماركسي يبشر بالماركسية، والبنيوي يدعو إلى البنيوية حتى أصبح الفكر العربي المعاصر مجرد تجاور بين ثقافتين، الموروث والوافد دون تفاعل بينهما إلا في أقل القليل بطريق المرآة المزدوجة، قراءة الأنا في الآخر وقراءة الآخر في الأنا كما فعل الطهطاوي في «تخليص الإبريز».

كانت الثقافة الغربية نمطا للتحديث في الفكر الغربي المعاصر بتياراته الرئيسية الثلاث: الإصلاح الديني، والفكر الليبرالي، والتيار العلمي العلماني. وكانت فلسفة التنوير مطلبا للجميع، ونموذجا يحتذى به تلبية لمطالب الواقع من عقلانية وحرية ونزعة إنسانية وعلمية طبيعية وتقدم. كما ظهرت مذاهب سياسية تعبر عن اختيارات الصفوة مثل الليبرالية والقومية والماركسية في مقابل إسلامية الجماهير ونزعاتها المحافظة. وذاعت المذاهب والمناهج الفلسفية الغربية من مثالية ووضعية ووجودية وشخصانية وماركسية وظاهرية وبنيوية وأخيرا تفكيكية وما بعد الحداثة. فلما ظهرت عزلتها وسط الثقافة العامة وحصارها من الموروث حاولت التكيف معه. فخرجت لنا «الجوانية» باعتبارها مثالية إسلامية، و«الماركسية التاريخانية» أو «الماركسية الليبرالية» باعتبارها ماركسية عربية، و«الشخصانية الإسلامية» و«الوجودية العربية» و«الاشتراكية العربية» تستخدم فيها الثقافة المحلية لتبرير الثقافة الوافدة، وليس الثقافة الوافدة، كأدوات تعبير عن الثقافة المحلية.

33

صحيح أن إبداعاتنا عملية في إتمام حركة التحرر الوطني، وإنشاء دولنا الحديثة، والتصنيع، واستصلاح الأراضي، وفي الثورات الحديثة، ثورات الضباط الأحرار أو الثورة الإسلامية في إيران أو الثورات والهبات الشعبية في مصر والسودان والمغرب والجزائر وتونس والأردن وسوريا. ونظرا لأن هذه الإبداعات العملية لم تواكبها إبداعات نظرية على نفس المستوى انهارت معظم المشاريع القومية الليبرالية والقومية الاشتراكية والإسلامية. بل وتفاقمت الأزمات، واشتد الكرب: احتلال مزيد من الأراضي في فلسطين، انتهاك حقوق المواطنين، تفاقم أزمة الحريات العامة، ازدياد الهوة بين الأغنياء والفقراء، سيطرة التجزئة على الأمة الواحدة، اندلاع الحروب الطائفية والقبلية والعشائرية، زيادة التبعية للخارج، الاعتماد عليه في الغذاء والسلاح والتعليم والثقافة، ضياع الهوية لصالح التغريب، سكون الجماهير ولا مبالاتها لما يحدث في حياتها من انتهاك لاستقلالها ونيل من كرامتها الوطنية. كل ذلك يحدث في منطقتنا والعالم يجدد نفسه، الرأسمالية تجدد نفسها، والاشتراكية تحدث نفسها، بينما تنحسر أيديولوجيات العالم الثالث وتنهار مشاريعه في التحرير والاستقلال الوطني.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٠