تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| سادسا: تقسيم العلوم

(1) المصنفون والمصنفات

إذا كان التدوين قد بدأ بتاريخ الحضارات العامة والخاصة، ثم بالوافد والموروث، ثم بالحضارة الإسلامية، ثم بتاريخ الفرق، فإنه يتحول الآن إلى تقسيم العلوم كمنظومة عامة تندرج أسماء الأعلام تحتها كما هو الحال في «الفهرست» لابن النديم (385ه). فلا يوجد تاريخ بلا تصنيف. وهو طور لا زماني يكشف عن بنية النص الفلسفي كنوع أدبي قبل أن ينفصل النص نفسه إلى أسماء الأعلام حتى القواميس المعاصرة أو إلى حكم وأقوال وأمثال، وهي وحدة التحليل المثلى للنص في أرقى أنواع الأدبية التي تسمح بتحليل المضمون بعد ذلك للنصوص الفلسفية؛ فالغاية أسماء الكتب من منظور أعم ورؤية حضارية مقارنة أشمل حتى لو أدى ذلك إلى التكرار وإلى إدخال أسماء الكتب في أخبار أقرب إلى التاريخ الخالص دون القراءة باستثناء حلم المأمون. لذلك وضع عنوان «أسماء كتبهم» أو «الكتب المصنفة» في معظم الفنون. وإذا كان «الفهرست» هو عمليا أول كتاب في تاريخ التدوين، فربما كان لمهنته كوراق دافع في ذلك لرصد الكتب التي لديه وفي الأسواق.

1

وربما ساعد على ذلك كونه معتزليا شيعيا؛ أي من المعارضة العلنية والسرية التي يتبلور فيها الوعي بالتاريخ.

وقد استعمل ابن النديم مصادر مدونة وشفاهية؛ استعمل القرآن كمصدر تاريخي عن تاريخ الأديان مثل باقي المؤرخين، كما استعمل الشعر العربي كمصدر من مصادر المعرفة كما كان الحال عند العرب قبل الإسلام لمعرفة أخبار الأمم السابقة، حيث يختلط الواقع بالخيال.

2

كما يعتمد على تفسير ابن عباس. وعلم التفسير لم يذكر ضمن تقسيم العلوم، وهو تفسير مملوء بالإسرائيليات؛ فالأسطورة تكمل تاريخ الأمم السابقة منذ آدم ونوح، وتختلط بالآيات. الأسطورة والتاريخ، الحكاية والرواية مصدران للمعرفة؛ فقد وضعت الكتابة قبل آدم بثلاثمائة عام وهو ما زال في الطين، ثم اكتشفت بعد الطوفان. ولما هدمت الكعبة وجدوا حجرا مكتوبا عليه أن السلف بن عبقر يقرأ على ربه السلام.

3

ويعترف ابن النديم باعتماده على مصادر مدونة أخرى،

4

لدرجة أنه يحدد خطوط أصحابها كما يعتمد على روايات شفاهية وحكايات مروية.

5

ويسأل ويستقصي ويتتلمذ ويتعلم ويقرأ على آخرين.

6

يتسم بالتواضع وبالأمانة العلمية، ويعلن أنه لا يعلم الروسية إذا كانت كلمات أو حروفا، وأن من المعتزلة من لا يعرف أمره غير ذكره مع إحساس بالعصر والزمن ومشاهدة الأحداث في أسلوب مقتضب دون إنشائيات أو مقدمات، تاريخ أكثر وقراءة أقل.

7

ولم يستعمل ابن النديم القرآن كمصدر تاريخي إلا آية واحدة بمناسبة ابن الرواندي، بالرغم ما توحي به خواتيم الفقرات والعبارات الدينية من إيمان دفين.

8

وقد اتبع ابن النديم تقسيما عشريا للعلوم يضم ثلاثة وثلاثين فنا، يبدأ بعلم اللغة كما بدأ الفارابي بعلم اللسان في «إحصاء العلوم».

9

والغالب على كل مقال تقسيم ثلاثي للفنون، الأولى والثانية والسابعة والثامنة، إلا المقالة الرابعة والتاسعة (ثنائي)، والخامسة (رباعي)، والسادسة (ثماني)، والعاشرة بلا تقسيم. ويتصدر المؤرخون من حيث الكم ثم الفلاسفة ثم النحويون ثم التدوين ثم المذاهب والاعتقادات ثم الفقهاء، ثم الكلام ثم الشعر ثم العلماء ثم الكيميائيون أصغر المقالات.

10

ويبدو من هذا التصنيف توتر داخلي في الزمان بين علوم اللغة والشعر السابقة على الإسلام والعلوم الإسلامية التالية له، الفقه والكلام والفلسفة وتاريخ الأديان والكيمياء في فترة يتم فيها التدوين ويكتب التاريخ. فعلوم العرب تأتي قبل علوم الإسلام، بما في ذلك علوم العجم.

المقالة الأولى لغات الأمم، العرب والعجم، أقلامها وخطوطها وكتاباتها. فالكتابة تأتي قبل الكلام، والتدوين قبل الشفاه. تاريخ الحضارة هو تاريخ الكتابة وليس تاريخ الكلام، بما في ذلك أنواع الأقلام والأوراق. وينشأ التاريخ المدون بأول من وضع الخطوط.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ٧٧