63
وكف بصر أبي العباس اللوكري في شيخوخته. وطلب أبو سعيد الأرموي مالا كثيرا لتأديب الملك حتى يذهب بعد ذلك للعلم ومات، وحصل غيره على المال. وحزن أبو الحسن الأبريسمي من حسد الناس له فمات. وأصاب أبا البركات البغدادي الجذام وعمي بعد أن نجا من القتل وحسن إسلامه. وأصاب علي بن شاهك الجدري وعمي. ومات ناصر الهرمزدي في داره رافضا دعوة السلطان. واستولى على محمود الخوارزمي نوع من السويداء فذبح نفسه بالقلم.
64
ويمكن أن يتحول ذلك كله إلى موضعات درامية حديثة. (4)
المؤلفات المصنفات. ويذكر البيهقي بعض مؤلفات حوالي سبعين فيلسوفا الصحيح منها والمنسوب إليه. وتتناول موضوعات الطب وعلم أحكام النجوم والحكمة والإلهيات والهندسة وتاريخ الأديان والأخلاق والفقه والمنطق واللغة والأديان، مما يدل على العلم الموسوعي للفيلسوف، نموذج ابن سينا. تجمع المصنفات بين العلوم النظرية والتطبيقية؛ أي التقنية بلغة العصر الحديث. وهناك تصانيف في موضوعات غير مألوفة مثل كتاب أبي الخير بن بهنام في تدبير المشايخ. ونظرا لأهمية بعض المصنفات يبدأ البيهقي بها دون باقي عناصر رسم الشخصية كما فعل مع محمد الشهرستاني. هو مجرد رصد كما هو الحال في المكتبات الحديثة من أجل إعطاء المعلومات الأولية عن الفيلسوف ومؤلفاته للمبتدئين في العلم. ويحكم البيهقي على بعض هذه المؤلفات بالقوة أو الضعف، يقيم بعضها، ويعلي من شأن مؤلفات ابن سينا التي تقوم على اتفاق الشرع والعقل. وقد كتبت بعض المؤلفات للدفاع عن البعض مثل أبي البركات البغدادي أو الهجوم على البعض الآخر.
65 (5)
الأقوال والكلمات والحكم والفوائد. وهي وحدة التحليل كنوع أدبي يبقي على القول دون القائل، والنص دون المؤلف. وهي جمل قصيرة من جوامع الكلم يسهل استذكارها واستدعاؤها واستعمالها في الحياة اليومية كنبراس للسلوك الفاضل، وما أكثرها. وهي الأبقى بعد أن ينسى الناس أصحابها والمؤلفات التي انتزعت منها. وهي الأقوال المأثورة المتناثرة التي تركها الفيلسوف تخلده من بعده وتنقش على قبره. ألف فيها الفارابي وابن هندو والمبشر بن فاتك.
66
والعجيب أن ابن سينا لا تروى عنه أقوال وحكم وهو أكبر الفلاسفة ذكرا. تجمع بين الدين والأخلاق في صورة الحكمة الخالدة. وتتنوع موضوعات الأقوال في الطب الوقائي والاستغناء عن الطب بنظام الطعام والشراب وعدم الإكثار من النكاح.
وفي الصحة العقلية رجحان العقل وحسن القول والسيطرة على الانفعالات، والتحكم في الأهواء، والحذر من الدنيا والمرأة والسلطان ومباهج الحياة، وضرورة القناعة والكد في طلب العلم، والصدق واحترام العلماء، ومعرفة النفس طريقا إلى معرفة الخالق، والاقتصار في التأليف وفي العلوم أصولها وفروعها، وتعلم التقسيم والتحليل والتهديد والبرهان. وفي العلاقات الاجتماعية رفض الزيف والمدح والنفاق ونقد الكذب والحقد، وضرورة النصيحة والمشورة، والإنصاف والعدل والكرم والاعتذار عن الذنب. وفي التاريخ والعصرية، لكل زمان علم والانشغال بالزمان. وفي السعادة الدنيوية والأخروية مثل الشوق إلى الحي القيوم والعرش والكرسي والقلم واللوح المحفوظ، وضرورة التحرر من سجن البدن. (د)
واستمر التقابل بين الوافد والموروث حتى القرن السابع الهجري في «نزهة الأرواح وروضة الأفراح» للشهرزوري (687ه).
67
والتمييز بين الوافد والموروث ليس مجرد إجراء بل هو تمييز فعلي. فلما كتب أبو سليمان صوان الحكمة في الوافد أكمله البيهقي في الموروث. كما قسم الشهرزوري «نزهة الأرواح» إلى مجلدين؛ الأول في الوافد والثاني في الموروث. وبالرغم مما يبدو في العنوان الأصلي من لفظ تاريخ وتطور في الزمان بين المتقدمين والمتأخرين وأنه معروف باسم «تاريخ الحكماء» إلا أن التاريخ هنا أقرب إلى القراءة منه إلى سرد أسماء الأعلام. ومن ثم فهو أكثر كتب التدوين اتجاها نحو القراءة كما يبدو في النصف الأول من العنوان «نزهة الأرواح وروضة الأفراح»، وبالتالي يصبح أهم تاريخ حامل للدلالات؛ فهو تاريخ إشراقي، صاحبه حكيم إشراقي من تلاميذ السهروردي مؤسس حكمة الإشراق. يجمع بين التاريخ والتطور الزماني للوافد والموروث وفي نفس الوقت يكتشف البنية المشتركة بين الاثنين، بنية الإشراق والفلسفة الخالدة. فكلهم مدرسة واحدة لا فرق بين وافد وموروث وفيلسوف وفيلسوف. لذلك يفرق بين الصناعة مثال الطب والشعر، والعلم وهي الحكمة. الأولى مهنة والثاني رسالة. الأولى تاريخ والثاني بنية. وقد يكون التشيع أحد أسباب بلورة الوعي التاريخي باعتباره معارضة سياسية؛ فالوعي التاريخي ابن الوعي السياسي. وكثيرا ما تم التدوين في جماعات المعارضة السرية والعزل السياسي كما تم تدوين التوراة أثناء الأسر البابلي، حفاظا على التراث الشفاهي من الضياع، وتمسكا بالهوية الحضارية. التدوين نوع من إثبات الأنا ضد الآخر، وإثبات الذات ضد الغير تمسكا بالهوية، وصراعا من أجل البقاء. لم تنته الفلسفة الإسلامية بعد ابن رشد كما يرجع البعض بل استمرت في إيران وازدهرت عند الشيعة بعد أفولها عند أهل السنة عند صدر الدين الشيرازي وغيره. وبالرغم من أن الاقتصار في الكتابة حكمة إلا أن الإسهاب هو عادة القدماء وبعض المحدثين.