تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13

وللوافد اليوناني الأولوية على الوافد الشرقي. فمن الشرق يأتي آدم في المقدمة وأفلاطون القبطي وديصان ثم زرادشث، وعبدة النيران، ثم إبراهيم النبي وفرعون وساجيوس القس وطلوقوس الكاهن، وبرهمن وبوذا. ويرد الإبداع إلى مصر بلد الأديان لا سيما أهل حلوان والفيوم والإسكندرية لما نزع إليهم من أصحاب طلوقوس الكاهن بالفيوم وأفلاطون القبطي بحلوان الذي وصف الله بأنه لا فعل ولا حركة ولا تغير ولا فناء ولا زوال. وعند مينوس وأصحابه أن الخالق واحد، فلا يجوز أن يخلق اثنين. والبعض كره الكلام وتبرم من المتعلمين وآثر التصوف. ويخطئ الصابئة أو أصحاب الشجرة وأصحاب النجوم وأصحاب الطبائع وعبدة الحيوان والنيران وأصحاب التوبة وأهل العزم بالفكرة على الأمر المحجوب عند العامة وأهل الرمال والمياه والحجارة وبين من ادعى أن له خالقا غير الله أو من زعم أن الخالق أمر أن يعبد غيره.

14

وطالب كالوس أن يري الخالق نفسه حتى يعرفه الخلق ويروه كما طالب موسى من قبل. سعى في الأرض فسادا. بينما رأى آخرون أن الربوبية مشتركة بين جميع الناس.

15

وواضح أيضا حضور أفريقيا، وأرمينيا والصين ونابلس وطلوانه بلد بليناس. والموضوع الغالب على الوافد الشرقي هو النفس. ويرفض الكتاب قول البرهمن أن الله نور وتفضيل البد عليهم مع أن النور من مصطلحات الإشراق، ويؤيد نقدهم لدين الروح المجرد. كما ينقد التصوف الهندي، ويرفض الثنائية الفارسية عند زارادشث وديصان ومرقيون وكأنه كتاب في علم الكلام. وروح ابن آدم لا تزيد عن الحرارة ولم يوكلوا شيئا من أعمالهم فيهلك ولد آدم.

16

ويوحي توزيع المقالات الست بنظرية الفيض معكوسا أكثر مما توحي بنظرية الخلق على النحو الآتي:

17 (1)

في الخالق والمخلوق. (2)

في الأفلاك والآثار العلوية. (3)

في المعادن. (4)

في النبات. (5)

في الحيوان. (6)

في الإنسان.

وتتداخل النظريتان الخلق والفيض بحيث يصعب الفصل بينهما. ويبدو ذلك في كتاب التعليل الذي يتضمن نظرية العناصر الأربعة وما ينتج عنها من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة التي تفسر الطبيعة عند الماديين ثم هدمها بالأشعرية؛ أي بالتدخل الإلهي من أجل إفساح المجال لنظرية الخلق.

18

وفي نفس الوقت تظهر العناصر الأربعة في الأرض مرتبطة بعالم السماء، المعادن من الأفلاك السبعة، والنفس في النبات من نفوس الكواكب، وحركة الحيوان من حركة الأفلاك. في المقالين الثاني والثالث خلق غير عضوي، خلق زماني. وفي المقالين الرابع والخامس أجناس خمسة لكل من النبات والحيوان. والمقال السادس أسلوب المسائل الطبيعية. لذلك تبدو أحيانا أن للعلل الهيولانية الأولوية على باقي العلل بالرغم مما في العرض من تناقضات. فنظرية الخلق ونظرية الفيض تبدوان أحيانا على التداخل وأحيانا على التماثل وأحيانا على الانسجام، ولكن ليس على التقابل أو التعارض وكما يبدو ذلك من بعض العبارات في جو إشراقي عامي يعتمد على الرؤية بالعين والتأمل في عجائب المخلوقات كما هو الحال عند الصوفية. وللجمع بين النظريتين الخلق والفيض، وبين التصورين الديني والطبيعي تصبح العلل معلولة. فالعلل لا تفعل بذاتها، ولكنها معلولة بعلة أخرى كما هو الحال عند الغزالي. ويميز الكتاب بين أربعة مفاهيم: العلة لأي شيء والسبب من أي شيء، والفعل كيف يكون الشيء، والفاعل بأي شيء يكون الشيء.

المقالة الأولى «في الخلق والمخلوق» تعرض نسب بلينوس الحكيم من صنع الخيال بناء على نموذج نسب الأنبياء مثل المسيح في أول الأناجيل، مع عنصر التشويق في القصة، وصية المؤلف بإخفاء كتابه عن العوام. ثم يدخل في الموضوع الرئيسي، علة الأشياء كلها، الأصل الأول والجامع لكل شيء والتفرقة بين العلة والسبب من أجل الإعداد لنقد المادية وإثبات الخلق. ثم يكشف عن القصد من الانتحال وباعثه الأساسي، القول في التوحيد والرد على من قال فيه خلافا لساجيوس القس إثباتا لنظرية الخلق ووصفا لنعوت الله وأسماء الرب. وأخيرا يعرض قول بلينوس في الخالق، اليوناني الذي تأسلم أو تهود وكأنه في سفر التكوين، خلق العالم في الزمان، وثنائية الخالق والمخلوق، والخلق الإرادي الفعلي وليس الخلق الذهني، ثم الرد على منكري الخلق؛ أي الدهريين بلغة العصر، عبدة النيران والنجوم والطبائع، والبراهمة وزارادشث وديصان وكالوس، وكأنه نص في علم الكلام يحاجج الفرق المخالفة المنكرة لخلق العالم. يستعمل المؤلف لغة الأنبياء وكأنه يبلغ رسالة من السماء مبشرا ونذيرا في أسلوب الحوار والإقناع ومستمرا في رسالة السابقين، وممهدا لرسالة اللاحقين، بضمير المتكلم المفرد. نكشف عن بيئة مسيحية وكأن المؤلف قس كاهن أو عن بيئة شرقية، ثنائية النور والظلمة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٧٧