29
ويصبح النص المنتقل حاملا حضاريا لكل الهموم الممكنة للمنتحلين طبقا لمللهم. فإذا كان مسيحيا تذكر أيام الراعي، ومقارنة الأشهر العربية بالأشهر الرومية والشهور القبطية بالإضافة إلى فصل فيه حكايات حكمية في السياسة الملوكية ما دام الكتاب في السياسة، بالإضافة إلى بعض العلوم الفلكية، مثل علامات القوس المشهور بقوس قزح. فالفلك ميدان خصب لخيال المبدع والذي يجمع بين العلم والفلسفة والدين. به بعض الدهاء وحسن التقدير والحكم الدنيوية ومعرفة بالطبيعة الإنسانية.
30
يعرض لاحترام الناموس، من استخف بالناموس قتله الناموس. والعدل صفة كريمة من صفات الباري جل اسمه. به قامت السموات والأرض. وهو صورة العقل الذي وضعه الله عز وجل في أحب خلقه إليه. السياسة أخلاق يضمنها الله.
والدعوة إلى السلطان هم غالب على الجميع، فلا علم إلا بتشجيع سلطان وتأييد منه، نثرا وشعرا. ويتوجه نفس المدح شعرا لناسخ الكتاب. فبنية المدح واحدة، لله والسلطان والناسخ، من إحساس بالخطورة على الدولة والدعوة لها بطول العمر والبقاء.
31
وتختلف الملل في تصور العدل. ويصور النص ذلك في حكاية المجوسي واليهودي؛ الأول راكب والثاني راجل، يعتقد اليهودي أن في السماء إلها مستحق العبادة ويطلب منه الخير له ولمثله. ومن يخالفه في دينه وملته حلال دمه وماله وعرضه وأهله وولده، وحرام نصرته ومذهبه ونصيحته ومعاونته والرحمة له والشفقة عليه.
32
ويريد المجوسي الخير لنفسه ولأبناء جنسه ولا يريد شرا لأحد من خلق الله سواء كان على دينه أو على دين آخر، ويرفق بالحيوان، وينأى عن الجور على الإنسان والحيوان بالآلام، ويود الخير للجميع. ثم يخون اليهودي المجوسي عمليا بطلب ركوب راحلة المجوسي تطبيقا لحبه للناس. ولما طالبه المجوسي بإعادتها رفض اليهودي تطبيقا لدينه حتى هلك المجوسي ونجا اليهودي! مما يدل على تفضيل المجوسية على اليهودية. وانتقم الله من اليهودي وكافأ المجوسي بالملك محققا لقانون العدل الشامل. ففي السماء إله عادل لا تخفى عليه خافية من أمر خلقه، وقد بدأت البشرية بقتل قابيل أخيه هابيل مما يدل على الغدر بالأصحاب، وكأن الشر مغروز في طبائع البشر. فهل كان أرسطو على اطلاع بالحضارة الفارسية؟
وتبدو خصائص الشعوب، فارس والهند والروم واليونان. ففي كتاب الهند: «ليس بين أن يملك الملك رعيته أو تملكه إلا حزم أو توان.» أي الأولوية للملك على الرعية. وأيضا: «لتكن الدية في النفوس أمضى من السلاح في النهج.» مما يدل على أهمية القوة المعنوية على القوة العضلية، وأن عدل السلطان أنفع للرعية من خصيب الزمان. وسلطان عادل خير من وطيء وابل. وقد حاولت أم هندية تسميم الإسكندر لمعاداته المرأة، والأفاعي الهندية تقتل بالنظر . وقد نسبت السيوف القاطعة إلى الهند. أما الروم والسريان فعندهم أن الملك والعدل لا غنى لأحدهما عن الآخر. ولأسقليبيوس اليوناني فصل في السلطان. فخير السلاطين من أشبه النسر؛ حوله الجيفة لا من أشبه الجيفة حولها النسور. وكانت الفرس تدبر أمرها بالنغم والأشعار.
وفي مقارنة عامة لخصائص الشعوب، تختلف فيما بينها في الدولة لنفس المرض. فمذكور في الكتب القديمة أن ملكا جمع أطباء الهنود والروم والفرس. فاختار الرومي جرعة ماء حار عند كل غذاء، واختار الفارسي حب الرشاد، واختار الهندي الإهليلج. الهنود أصحاب خدائع وتهاويل ولا بأس لهم، والروم أصحاب أذهاب ورهج ولا ثبات لهم، والصقالبة أصحاب عزائم ولا قوة لهم، والديلم أصحاب صدمات وفيهم ضجر ولا بأس لهم، والترك أصحاب بأس عظيم وجهل كثير ولكن لهم في الحروب هيبة وموقع، فالكثرة منهم في الجند أفضل.
ويجمع النص بين نظرية في الخلق أو الفيض ونظرية في السياسة. تتضمن أسرارا إلهية لمعرفة حقيقة العقل وكيف وضعه الله في العباد. وهو أول شيء اخترعه الباري جل جلاله، جوهر بسيط، روحاني في غاية التمام والكمال والفضل. فيه صور جميع الأشياء. ومن هذا الجوهر خرجت النفس الكلية. وتظل في الرحم مدة قدرها الله بتسعة أشهر، وهي النفس الجسمانية أو الحيوانية. فخلق الإنسان بإذن الله تعالى. ولم يخلق الله أشرف من بني آدم، ولا جمع في حيوان ما جمع فيه صفات الإنسان. والقمر أعظم دليل في الأسفار. وهناك تقابل بين البدن والدولة، فالحواس الخمس في الدولة. ولكل حواس خصال مثل خصال الوزير. ولا يستوزر الملك غير الإلهيين المعتقدين بالربوبية. ولا يثق إلا بالإلهيين الذين يدينون بالناموس وينفذون الشريعة. أما الملك فإنه يقتدي بالله في جميع الأمور، ويستخير الله فيما يقرر. ولا ملك إلا لمن لا يغنى، ولا سلطان إلا لمن انفرد بالحكمة العظمى.