تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27

وتبين بداية المخطوطات ونهاياتها القصد من الانتحال وكيفية إخراجه وتكوينه. فالانتحال مستمر زيادة ونقصانا. وكلها تدل على أن الانتحال إبداع حضاري. فمن سبعة عشر مخطوطا يمكن تلمس العناصر الآتية ودون حاجة إلى عرض مخطوط مخطوط. اسم الكتاب «كتاب السياسة في تدبير الرياسة المعروف بسر الأسرار»، فله اسمان؛ اسم ظاهري واسم باطني. ومؤلفه أرسطاطاليس تلميذ الفاضل أفلاطون دون تفضيل لأحدهما على الآخر لتلميذه الملك المعظم الإسكندر بن فيلبس المعروف بذي القرنين. فأرسطو هو معلم الإسكندر؛ ومن ثم فالكتاب وصية من الشيخ إلى المريد. ويظهر التوجه الإسلامي في استعمال اللقب القرآني «ذي القرنين». وقد صنعه الأستاذ للتلميذ حين كبرت سنه وضعفت قوته عن الغزو معه والتصرف له. وكان الإسكندر قد استوزره وارتضاه واستخلصه واصطفاه. وتذكر عبارات مباشرة لأرسطو مثل: «يا إسكندر، كتابي هذا كاف فيما سألته، وهو يقوم لك مقامي إذا تصفحته وفهمته، فاجعله تجاه فكرك ... وتعلو على جميع ملوك الدنيا والله صنيعتي عليك وهو حسبنا ونعم الوكيل.» وفي آخره: «أكملت لك يا إسكندر ما رغبت حسبما شرحت ووفيت لك بكل ما حق لك الوفاء فكن به سعيدا، موفقا إن شاء الله تعالى.» وبلغ الإسكندر حسن رأيه واتباع أمره بعد أن ظهر على مدن الأرض حتى دانت له الأمم عربا وعجما وكتب له أرسطو عدة رسائل. هذا بالإضافة إلى بعض التطهر مثل: «يا إسكندر لا تمل إلى النكاح فإنه من خواص الخنازير!» يا إسكندر احفظ هذه النفس الشريفة العلوية. وينافس المسيحيون، وهم أهل السر ومبدعو الأسرار، المؤلف المزعوم، ويجعلون مؤلف الكتاب الأب المعظم مار إيليا مطران نصيبين، نشره قسطنطين باشا في القاهرة!

وتجتمع العلوم كلها؛ الطب والجغرافيا والسياسة والأخلاق، في النفس في فلسفة إشراقية واحدة تظهر فيها قدرة الله على الشفاء من الأمراض عن طريق الأعشاب الطبيعية والفصد والحجامة. وهناك ارتباط بين الطب والفلك؛ بين الطب الجسمي والطب الروحاني، الدواء للبدن والموسيقى للنفس. ويتجلى ذلك في علم الفراسة، التقابل بين الصفات الجسمية والصفات النفسية. ويصب ذلك كله في علم الأخلاق والتربية والسياسة للملوك والعوام على التقشف وعدم الإفراط في الجماع أو نكاح المسنات، وأهمية العسل للشفاء. وهي نصائح أقرب إلى الملوك منها إلى العوام. الفلسفة هي ملك الشهوات والسيطرة عليها.

ويتجلى الانتحال في الحالة الثالثة في صورة العدل. فالعدل صفة كريمة من صفات الباري جل اسمه تعالى ذكره. العدل صفة إلهية، قامت عليه السماوات والأرض، وبه بعث الأنبياء المطهرون. وهو صورة العقل الذي وصفه الله في أعز الخلق إليه. وهو قسمان؛ باطن وظاهر. الباطن اعتقاد الحكيم في الصانع وإتقان مصنوعاته. لذلك يتشبه الملك بحكمة الباري وانتقاله فيما يليه من الخاصة والعامة مثل عدل الله وحكمته في النفس. والعدل الظاهر هو ترجمة للعدل الباطن في الدولة بهذا الشكل الثماني.

28

ويمكن أيضا أن يرسم على النحو الآتي:

ويمكن أيضا أن يترجم بالمستطيل الآتي:

وهي عبارات ثمانية وليست سبعة من الصعب معرفة البداية. كل نهاية مقطع بداية المقطع التالي على النحو التالي: (1)

العالم بستان سياجه الدولة. (2)

الدولة سلطان تحجبه السنة. (3)

السنة سياسة يسوسها الملك. (4)

الملك راع يعضده الجيش. (5)

الجيش أعوان يكفلهم المال. (6)

المال رزق تجمعه الرعية. (7)

الرعية عبيد يتعبدهم العدل. (8)

العدل مألوف وهو صلاح العالم.

وقد أصبح كالأحجبة للتبرك وليس نصائح للاعتبار. نقل عن الإمام علي مثلها: لا ملك إلا الرجال، ولا رجال إلا بالمال، ولا مال إلا من رعية، ولا رعية إلا بالعدل، لا عدل إلا بالسياسة الشرعية، وبهذا يدوم الملك.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٦٦