56
وإدراك الشيء من حيث علته وحقيقته أن ينطبع في النفس بكامله. وللنفس أشكال لا يمكن التعبير عنها بالكلام. واللجاج عسر انطباع المعقولات في النفس. وينشغل الأحداث بالحفظ أولا قبل انشغالهم بالفكر. والعقل الذي فينا جوهر كلي، وشخص جزئي. ومعرفة طبع الرجل باستشارته لمعرفة جوره وعدله. والعقل والمعقول شيء واحد. وقوة حفظ الإنسان تنقص من تمييزه بقدرها. فهما قوتان متضادتان. التمييز فعل، والحفظ انفعال.
ويرى البصر صورة الشيء في ذاته لا في المحسوس. وإذا خرج نور البصر على غير زاوية قائمة أبصر الصغير كبيرا والكبير صغيرا. والبصر والمبصر اثنان بتوسط الهواء. والبصر والسمع يدركان الأشياء في وحدة وكثرة في آن واحد. والوحدة علة الكثرة. وإذا كان الحاس والمحسوس شيئا واحدا فإن العقل والمعقول ليسا كذلك. العقل الكلي هو المعقولات. والعقل متصل بصورة المعنى لا بصورة الجوهر. والعقل لا يألم في طلب معرفة الأشياء. وبعض الأشياء تعقل بألم، والبعض بدونه. والعقل بلا ألم صورة العقل. والكل لا يألم لأنه لا يدرك إلا ذاته. العلم وقوع البصر على الأشياء الكلية، والحفظ جمود الوهم. وأحيانا يكون الوهم إبداعا؛ إذ يحتاج المرء أن يصفي الفكر والوهم، الفكر نحو المعلوم، والوهم نحو المحسوس. العلم يدرك الصور المعقولة، والوهم يدرك الصور المحسوسة. والسمع مجانس للبصر والذوق للحس، والشح متوسط بينهما. طلب العقل صورة الشيء من ذاته، وهيولته من الحس. العقل يعقل ذاته. فهو عقل ومعقول كما صرح بذلك في «طيماوس». والمعقول الأول فعل محض. عالم العقل علمي، وعالم النفس قوائي، وإدراك آنية الشيء من جهة العقل إدراك لميته، وإدراكها من جهة الصورة ليس إدراكا للمية لأن الآنية واللمية في العقل شيء واحد . ولا تدرك المائية بنسبة اللمية. الحس يأخذ الأشياء عن قرب، والفكر عن بعد. الحس لا ينتج والفكر ينتج. المعرفة تذكر والعلم ثباته. الحس يجد الثقيل ثقيلا، والعقل يجد الثقيل في نفسه. الجزء في الحس والكل في العقل.
57
ويمكن الإحاطة بالأشياء بلا تعلم واكتساب باستقصاء كنه الشيء، وهو أقرب إلى المعرفة الحدسية.
وبالإضافة إلى جوهر النفس هناك قوى النفس. فالنفس ثلاث قوى: إلهية وبها الفكر والروية ومسكنه الدماغ، والثانية غضبية ومسكنها القلب، والثالثة بها شوق المرء إلى اللذات ومسكنه الكبد. الاعتدال فضيلتها، لذلك كانت فضائل النفس أربع، وفضائل الجسد أربع: الحلم، والعدل، والشجاعة، والعفة للنفس، والتمام، والكمال، والقوة، والجمال للجسد. ومن ساد نفسه بالاعتدال توحد الغضب والشهوة. لكل منهما مقدار. لو زاد عن الحد انقلب إلى شر. حركة القوة الشهوانية تلقاء الرغبة. وحركة القوة الطبيعية تلقاء الرهبة، وحركة الفكر تلقاء العلة. وهي الطبقات الثلاث للناموس، الطبقة العليا بالمحبة، والوسطى بالرغبة، والدنيا بالرهبة. والعشق طمع يتولد في القلب وتعلق الرفيع بالوضيع يسمى شوقا. وتعلق الوضيع بالرفيع يسمى محبة. فالشوق والمحبة مبادئ اتصال العالم. والفرق بين المحبوب والمعشوق أن المحبوب يؤثره الإنسان لنفسه، والمعشوق يؤثر نفسه لها. وفي المعشوق قوة أكثر من العاشق كي تطلب نفس العاشق منه قوة. ومحبة العاشق للمعشوق لحسن التمام. وقد يختلف العاشقان في العشق، واحد عاشق والثاني غير عاشق. وهناك فرق بين الهم والغم. الهم تقسم الأفكار، وحيرة النفس وخمولها، وهو سريع الزوال. أما الغم فخطر كبير، يذهب القوة، ويفقد الحرارة، ويهدم الجسم، ويكدر الأوقات. هو ألم نفساني لفقد محبوب أو فوت مطلوب.
58
وليس الموت مكروها لمن عمل وتدبر. الهم والغم غير واجبين على الحقيقة. لهما أسبابهما فيما يألفه الطبع حتى يصير طريقا للهم وسببا للغم.