تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان هوميروس رقيقا ثم أعتق، فالشعر للأحرار، معتدل القامة، حسن الصورة، لهيبة الشعر، أسمر اللون، عظيم الهامة للمهابة، ضيق ما بين المنكبين، سريع المشي للخفة والخيال، له صوت جهوري لإلقاء الشعر، مهذار مولع بالسب لمن تقدمه، مزاحا مضحاكا، فالشعراء يتبعهم الغاوون، والضحك يميت القلب. مات عن مائة وثمانين عاما.

وسولون أبيض الشعر للهيبة، أزرق العينين، أقنى الأنف للدقة والحدة، مستطيل اللحية ضعيف المنكبين منحني الأكتاف جمعا بين النقيضتين، حلو المنطق قوي اللسان في صياغته للقوانين، توفي عن سبعة وثمانين عاما.

وزينون معتدل القامة، أخفس الأنف، حسن الصورة، أدعج العينين، عظيم الهامة، معتدل اللحية كالشيخ المهيب، سريع الالتفات، رافع الرأس علامة على الذكاء، كثير الكلام، حلو المنطق، رزين العقل للجدل والمحاجة، بطيء الحركة، سريع المشي لانتباهه على حجج نفي الحركة اعتمادا على بطء السلحفاة وسرعة أخيلاوس. توفي عن ثمانية وسبعين عاما أيضا.

55

والإسكندر لا يشبه أباه أو أمه لتفرده. عيناه مختلفتان، واحدة زرقاء والأخرى سوداء، واحدة تنظر إلى أعلى وأخرى إلى أسفل جمعا بين الشرق والغرب، الحكمة والنبوة، السماء والأرض. أسنانه دقيقة حادة، وجهه كالأسد للشجاعة.

وبطليموس معتدل القامة، أبيض اللون، تام الباع، لطيف القدم، كث اللحية أسودها، فهو الجغرافي. جسده مثل الكون، صغير الفم على نقيض اتساع العالم، حسن اللفظ، حلو النطق لتعبيره عن نظام الأفلاك، شديد الغضب، بطيء الرضا، ضيقا بجهل الناس، كثير التنزه لتجواله في العالم، قليل الأكل، كثير الصيام، طيب الرائحة، نظيف الثياب. فالعلم يقتضي الزهد، والنظافة من الإيمان، والمسك سنة.

وجالينوس أسمر اللون، حسن التخاطيف، عريض الأكتاف، واسع الراحتين، طويل الأصابع، حسن الشعر. وهي صورة الطبيب الجراح الماهر، محب للأغاني والألحان وقراءة الكتب، فالطب موسيقى الروح وتآلف البدن، وباب العلم؛ معتدل القامة، ضاحك السن، كثير الهذر، قليل الصمت لشخصية الطبيب في تآلفه مع المرضى، كثير الأسفار للمعرفة، طيب الرائحة لعلمه بالكيمياء. يحب الركوب دليلا على الإحساس بالوقت. توفي عن سبعة وثمانين عاما. ويلاحظ جمع هذه الصفات بين البدنية والنفسية، البعض منها متكرر كمقياس نمطي لحسن الشخصية. كلها إيجابية لا يوجد الأعور أو الأعمى أو الأعرج.

56

ويمكن استنباط عناصر الشخصية من المعنى الاشتقاقي للاسم اليوناني مثل سقراط الذي يعني الصوفي أو المعتصم بالعدل، وغاثاذيمون السيد الجد، وأرسطاطاليس المشتق عن أرسطا أي حسن، وطات أي الذي، ليس يقول؛ أي حسن الذي يقوله. وبالرومي إرشاد الأليس. كما تعني الكامل الفاضل. وتعني فيثاغورس في أصله الرومي تيواغورس؛ الله الشاب أو شاب الله مع تقديم المضاف إليه على المضاف. ويعني إيلاوس الرحيم، ونيقوماخوس المجاهد القاهر، وثامسطيوس المؤمن، وديوجانس يا مجنون، وجالينوس الساكن. كما تدل الكتب أيضا على معانيها مثل المجسطي لبطليموس أي العظيم الشامخ.

57

وقد لا تكون القراءة دائما إعادة بناء الآخر داخل ثقافة الأنا، بل قد تكون اعتبار ثقافة الأنا امتدادا لثقافة الآخر. فحكماء الإسلام امتداد لحكماء اليونان، والشراح العرب استئناف لحكماء اليونان المتأخرين، نصارى ويهود ومسلمين. فيضع صاعد الكندي مع المعلم اليوناني. وقد تحولت الفلسفة اليونانية على أيدي الشراح المسلمين إلى فلسفة أخلاقية وسياسية ناقلين لها من مستوى الطبيعة إلى مستوى المدينة. ويهاجم صاعد الرازي ويفضل أرسطو عليه، ويتهمه بالإلحاد ويعزو إلى أرسطو الإيمان. الرازي كافر بالتوحيد والنبوة، وأرسطو هو المؤمن بهما. وبالتالي يبدأ منطق الاستبعاد. ولكن هل العلم الإلهي والطب الروحاني انحراف عن أرسطو؟ فأرسطو هو نموذج الفلسفة. الصحيح ما أتفق معه، والخاطئ ما أختلف معه. فالرازي على مذهب فيثاغورس. انتصر للفلسفة الطبيعية القديمة وانحرف عن أرسطو. واستحسن الثنوية والأتراك والبراهمة في إبطال النبوة والقول بالتناسخ مع عموم الصابئة. ولو وفقه الله لكان أرسطيا، وكأن الله مسئول عن فلسفات البشر. ولم رفض انحرافات الرازي لو كان الله مسئولا عن فكر البشر؟ لقد اضطرب الرازي في العلم الإلهي، وله آراء سخيفة، وانتحل مذاهب متناقضة، ولم يفهم أقوال اليونان، وعمي في آخر عمره.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٣٠