أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم . وشرع الله الصلاة والصيام والزكاة والطهارة وحرم الخنزير. وانتهت هذه التشريعات إلى الملة الحقة والدين القيم وهو الإسلام. والمثابرة على الصوم والصلاة وتأدية الفرائض طاعة لله عز وجل. والله لا يرضى عن الصوم بمعنى الامتناع عن الطعام فقط، بل السيطرة على النفس وتعمير بيوت الله بالدعاء. ولا رغبة إلا في المال الحلال وما يرضى عنه الله جل اسمه. واتباع سنة الله وشريعته طريق من يرغب إلى الدخول في طاعته. ولا يجب استغلال شيء من زيادة الله لئلا يستنفر الباقي. والناس أفضل ما خلق الله في هذا العالم. والعلم لله والجهاد لله.
16
ويبدو هرمس في الأقوال المتأخرة أكثر ضمورا نظرا لأن الحكمة لم تعد مطلبه، وتحول إلى مؤمن تقليدي على الطريقة العثمانية يأمر بالتوجه بالقصد إلى الله تعالى وعدم دعوة الله على أحد، فالله للجميع، والروح تشمل الكل. ويؤمن بالقضاء والقدر، ويدعو الناس إلى أنه إذا طرقته نائبة ألا يقولوا لو كنا فعلنا كذا أو كذا؛ لأن لو تفتح باب الشيطان، ولكن يقولوا قضاء الله تعالى وقدره لا مفر منه. وهو حديث نبوي، فإن الله تعالى يفعل بخلقه ما يشاء. كما أن الله جعل للآدمي أذنين ولسانا واحدا، ليكون استماعه أكثر من كلامه. وهو قول مكرر على كل لسان حكيم. فلا يهم القائل بل القول. وينسب إلى هرمس مجموعة من الأقوال في مقالة من مقالات الفرق تدور كلها حول تعظيم الله وشكره ومعرفته وعدم الافتراء عليه، ونسبة الشر إليه وعدم الأذى باسمه. ثم تستنبط من هذه القواعد الإيمانية الأولى مبادئ الأخلاق.
17
وكنموذج لحكمة واحدة، هرمس الأول من اليونان، والثاني من بابل، والثالث من مصر. فالطب مثال لإبداع روح الحضارات البشرية الأولى. يبدو هرمس وكأنه نبي الكلدانيين أو بوذاسف. فهو نموذج الأسطورة التي توجد في كل مكان. ويخصص الشهرزوري القسم الأول من «نزهة الأرواح» إلى الهرمسية، إدريس وهو هرمس الهرامسة، هرمس البابلي، هرمس الثالث. ويختارها لما تتسم به من أسلوب الرمز والغموض والطابع التعليمي، مما يساعد على قراءتها وتأويلها. ويستعمل القرآن كمصدر لتأويل التاريخ. فقد علم الله آدم الأسماء كلها. كما تظهر الوصايا والمصطلحات القرآنية مثل: «واعتصموا بحبل الله سبحانه.» دون الإكثار من الشواهد النقلية. وهرمس الهرامسة أو هرمس المثلث العظمة أو العظيم بالثلاثة أو ثالث العظماء هو أهمهم وأطولهم عند الشهرزوري بصرف النظر عن هويته: كلدني، يوناني، مصري. وإدريس عربي، كان معروفا عند العرب قبل الإسلام، فهو أول من بنى الهياكل ومجد الله فيها قبل إبراهيم وبناء الكعبة. وقد لا يذكر هرمس لذاته، بل بمناسبة الربيع بن سليمان الجيزي صاحب الشافعي، فالوافد أصبح موروثا من خلال الموروث.
18
أما صاب فهو صاحب إدريس الذي ينسب إليه الصابئة الذين يعبدون الكواكب أو الأصنام ليقربوهم إلى الله زلفى. ولكنهم أيضا هم أنصار الدين الطبيعي، الحنفاء، والذين كان منهم إبراهيم الحنيف.
19
وكما يتم رسم صورة مرئية لأجساد الفلاسفة كذلك يتم تمثيل صورة لجسد هرمس الهرامسة مستنبط من فكره وشخصيته، فن استنباط الجسم من الروح كما يتخيل الفنانون المحدثون صورا للحكماء القدماء.
20
وأسقليبوس تلميذ هرمس الثالث المصري، سكن الشام؛ أي اجتماع مصر والشام. أوحى الله إليه كما ذكر جالينوس في كتابه الحث على الطب، وأنه أقرب إلى الملك منه إلى الإنسان. وهو اسم مشتق من البهاء والنور كما يروي أبقراط. والطب صناعة لا يعمل بها إلا من كان طاهرا عفيفا نقيا، من الإشراقيين المثاليين وليس من الإشراقيين الخبثاء؛ أي من كان عارفا بالله «سبحانه وتعالى»، وأن يكون الطبيب رحيما عفيفا محبا لمنفعة الناس. وقد ارتفع إلى الهواء في عمود من نور كما روى أبقراط. كان مشتغلا في هيكل بالتقديس كما يروي أفلاطون في كتاب النواميس. عرف أن المرأة زانية بعد أن تخاصم الزوجان. كما عرف أين خبأ الرجل المال بعد أن اشتكى إليه ضياعه حتى أضاعه الله منه كما روى أفلاطون. كما تنبأ بموت الملك كما روى أفلاطون. كانت على عصاه صورة حية لأنها أطول عمرا، رمزا على عدم اندثار العلم كما حكى أبقراط، مصنوعة من شجر الخطمي النافع في جلب الاعتدال كما يحكي جالينوس. وعنه روايات أخرى شنيعة في تواريخ النصارى مما يدل على كثرة الروايات والأساطير عنه. إنما النواة عند ابن جلجل أنه تعلم الطب والفلسفة بوحي من الله وإلهام منه. ويستعمل الشهرزوري رواية جالينوس عليه. وهو أحد الملوك الأربعة بعد هرمس. أسس عبادة الأصنام والهياكل. وعاش في مصر والشام مما يدل على وحدة الدين منذ أقدم العصور. وهو نموذج الجمع بين النبوة والحكمة في بداية التاريخ، لا فرق بين حكماء الإسلام أصحاب النبوة، وأنبياء اليونان أصحاب الحكمة. الاسم يوناني وهو نبي. فحكماء اليونان أنبياؤهم. أقواله جزء من الأدبيات الشرقية كما توحي بذلك عبارته: المستعان بالله عليكم، أخذتم الدنيا على الآخرة، رب أعطوني ما ليس لي، الحمد للمنعم والاستغفار من الذنب.