تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

والقراءة شيء والتوفيق شيء آخر؛ القراءة فعل أصيل يتم فيه التعبير عن الوافد من خلال مقولات الموروث والتعبير عن الموروث من خلال مقولات الوافد، كعمل طبيعي تلقائي في حالة ازدواج الثقافة وثنائية مصادر المعرفة. بل إن الصمت عن المصادر يكون عن قصد من أجل إعطاء القول استقلاله. وبالرغم من أن التاريخ من عمل المؤرخ، إلا أنه يعبر عن وعي تاريخي جمعي، عن الوعي التاريخي الحضاري من خلال وعي المؤرخ. لذلك لا يهم صدق أو كذب الروايات أو الحقائق التاريخية المروية خارج وعي المؤرخ؛ أي الوعي الجمعي. فذلك عمل الموثق وليس عمل الفيلسوف أو مؤرخ الأفكار. ليست القضية في البحث عن مصادر «أسلمة» حكماء اليونان. فالأسلمة إعادة بناء فلسفي إبداعي من المؤرخ وثقافته الموروثة وتوظيفها من أجل احتواء الوافد. لا يوجد مصدر مدون استمد منه المؤرخ روايته من أجل إضافتها على نصوص الوافد، بل قرأ الوافد من خلال روح الموروث التي تكون الثقافة العامة للمؤرخ. وكما تبلغ القراءة ذروتها عند الفيلسوف المؤرخ مثل حكيم الإشراق الشهرزوري كذلك تبلغ ذروتها في كتب الأقوال والحكم والأمثال لأنه يسهل تأويلها دون تحويل للتاريخ إلى أسطورة، والسيرة إلى خيال كما هو الحال في «مختار الحكم ومحاسن الكلم». وتأتي القراءة بطريقة طبيعية للوافد والتعبير عنه وكأنه مثل عربي دون إحساس بالأسلوب المترجم عند المترجم الأول أو عند الفيلسوف الثاني مثل المبشر بن فاتك دون أن يتطلب ذلك من الفيلسوف معرفة اللغة اليونانية.

ليس الهدف من قراءة التاريخ المطابقة بين التاريخ والواقع، بين الرواية والمروي. فالرواية تدوين من خلال رؤية المؤرخ. كلما قلت المسافة بين الراوي والمروي كانت الرواية أقرب إلى التاريخ دون مطابقة. وكلما بعدت المسافة بين الراوي والمروي كانت الرواية أقرب إلى القراءة. وما زال الاستشراق الغربي والعربي في إطار المطابقة الأولى بحثا عن التاريخ، إما لسيادة النزعة التاريخية للقرن الماضي عند الاستشراق الغربي، أو لغياب الرؤية عند الاستشراق العربي.

| ثانيا: التاريخ المتبادل

وتبدو القراءة في التاريخ الموازي والإحالات المتبادلة، ورد تاريخ اليونان إلى تاريخ الأنبياء، ومسار الآخر إلى مسار الأنا. فإبراهيم وموسى في الفترة ما بين أفلاطون الطبيب وأسقليبوس الثاني. والمسيح في الفترة ما بين أبقراط وجالينوس. لا يهم أي مسار في إطار الآخر، إنما الأهم هو تداخل المسارين في تاريخ متواز ومتداخل ومتعدد الرؤى.

1

عاش أنبادقليس زمن داود. أخذ الحكمة منه وهو في الشام. وعاش جالينوس بعد المسيح بمائتي عام. ولا تهم الصحة التاريخية بقدر ما تهم إحالة اليونان إلى الأنبياء. لا يهم حساب التاريخ، فالتاريخ نمط مثالي وليس تتابعا زمنيا.

2

وعاش أبولن بعد زمن موسى.

3

وظهر جالينوس في زمان عيسى، وبقراط قبله، والفلسفة في اليونان قبل المسيح، وهوميروس بعد زمان موسى بنحو خمسمائة وستين عاما، وأفلاطون الزنديق لجعله الله علة العلل؛ عاش في عصر موسى، عصر التكفير.

4

وظهر أبلن زمن موسى، وربما براق الحكيم وزمنه.

5

وكتب أفلاطون جوامع سياسة المدن زمن عيسى. ونشأ علم النجوم من بابل من جهة الكلدانيين زمان إبراهيم. وأحيانا يؤرخ للمسيحية باليونانية. فقد ظهرت النصرانية أيام جالينوس. ويؤرخ لأول فيلسوف يوناني من وفاة موسى، وديمقريطس وأنكساجوراس في زمان مالاخا النبي.

ويحدد تاريخ الروم بتاريخ الأنبياء، من إبراهيم إلى موسى، ومن موسى إلى المسيح، ومن المسيح إلى جالينوس، ومن أسقليبوس إلى إبراهيم، بصرف النظر عن دقة السنوات أسوة ببداية التاريخ في الأناجيل وأنساب المسيح حتى آدم وإجابة على سؤال كيف بدأ التاريخ كما يتضح في بعض العناوين «البدء والتاريخ».

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٠٨