تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

وتبدأ آداب الفيلسوف مهاردجيس المعلم بالبسملة، والحمدلة على ما خص الله به من النعم. وفي آداب فلاسفة الجن في حوارهم مع سليمان عليه السلام أن من ضيع الأقرب أتاح الله له الأبعد. ثم أثبت سليمان صلى الله عليه جميع ما قاله الجن في حكمته.

18 (2)

واستمر هذا النوع الأدبي من التأليف في «الكلم الروحانية في الحكم اليونانية» لابن هندو (421ه). وكما يبدو من العنوان أن الغاية ليس مجرد تاريخ للفلسفة اليونانية، بل تحويله ونقله من مستوى العقل إلى مستوى الروح، ومن الحكمة إلى النبوة. وكان من الإمامية الاثنى عشرية، مما يطرح السؤال المستمر عن الصلة بين الوعي والتاريخ والاضطهاد، أو عن وفرة الثقافة الفلسفية الوافدة فيه كأداة للتحرر كما هو الحال في جماعة إخوان الصفا أو الصلة العرضية بين تدوين التاريخ والعمل بالوراقة وبخزائن الكتب.

19

وربما تكون صلة ابن هندو بالقاضي عبد الجبار وبالأجيال المتأخرة للمترجمين مثل ابن الخمار أحد العوامل المساعدة في بلورة الوعي التاريخي.

ولا تذكر مصادر للحكم، فالحكمة مستقلة بذاتها، علم بذاته، لا يحتاج حتى إلى قائل أو إلى مصدر. المصدر يربط الحكمة بالتاريخ، بالزمان والمكان والشخص، وهي مستقلة عن ذلك كله، متن بلا سند، قول بلا قائل، رسالة بلا رسول، نبوة بلا نبي، خلق دون خالق، كما هو الحال في الأمثلة العامية والآداب الشعبية. ولا يوجد ترتيب زماني أو موضوعي للحكم، فالحكماء خارج الزمان، وموضوعها واحد وهو حسن الأخلاق، ويتعاصر حكيمان ويتحاوران في الخلود وليس في الزمان مثل حوارات الإسكندر مع جالينوس. ومرة واحدة يذكر المكان في أسطراط مونيقوس الذي صار مرة إلى مدينة المرياس. ومعظمها كلمات، باستثناء مرة واحدة محاورات دارت بين أرسيجانس وسقراط، ومرة واحدة كلمات في كلمات سيافندس السكيت. وعادة ما تبدأ الأقوال مباشرة باستثناء كلمات سيافندس السكيت التي تبدأ بتعريف الحكيم.

20

وكما هو واضح من العنوان، أنه في تاريخ الفلسفة اليونانية وحدها؛ أي في الوافد دون الموروث كما هو الحال في «صوان الحكمة» للسجستاني قبل أن يكلمه البيهقي. ويذكر واحد وسبعون حكيما لهم 633 حكمة بالإضافة إلى مجموعة من الأقوال لا تنسب إلى قائلها (153 حكمة)، مما يبين أن وحدة الفكر هو النص وليس المؤلف، القول وليس القائل. فيكون مجموع الحكم المدونة (786 حكمة).

ويأتي في المقدمة أرسطو ثم أفلاطون ثم ديوجانس ثم سقراط ثم الإسكندر في المراتب الخمس الأولى من ست عشرة مرتبة. قد تذكر بعض أسماء الحكماء داخل عرض الحكيم مثل أرسطو داخل أفلاطون، والإسكندر وأفلاطون داخل أرسطاطاليس، وسقراط مع أرسجانس، وأفلاطون مع هوميروس، وهوميروس داخل الإسكندر، والإسكندر داخل ديمستانس وزينون الفيلسوف والسينوكراتس، وفورس، ملهى الإسكندر، وفلسطين مزاح الإسكندر. وأرسطو داخل طلاماخوس وأطرياس داخل أسطرا طونيوقس، والإسكندر داخل الأقوال غير المنسوبة. ويلاحظ تكرار بعض الأسماء مثل الإسكندر، ثامسطيوس، باذريوس. ليست الغاية الاسم بل القول. القول فريد ويتكرر الاسم مما يدل على الحكمة الخالدة الواحدة بالرغم من تعدد القائلين. أما الأقوال المفردة غير المنسوبة إلى قائليها، فتتوزع في ثلاثة عناوين تدل على نفس الشيء؛ الأول يدل على وعي بعدم نسبة القول إلى القائل، والثاني يدل على المثل اليوناني المستقل عن القائل كما هو الحال في الأمثلة الشعبية، والثالث يدل على النقل من اليونانية إلى العربية .

21

وقد ينسب العلم إلى المكان مثل أناخريسس الصقلي، عناين الطفيلي، سيفاندس السكيت. وقد ينسب إلى المهنة والوظيفة والصنعة مثل هوميروس الشاعر، سيمونيدس الشاعر، لوغاطس الشاعر، الإسكندر الملك، باسيليوس الملك، أبقراط الطبيب، ديجستانس الخطيب، زينون الفيلسوف، أبرقلس الفيلسوف، فلاسطيس الفيلسوف، مولون الطباخ من أهل صقلية جمعا بين المهنة والمكان، فورس ملهي الإسكندر، فلسطين مزاح الإسكندر، خوينقس مضحك الإسكندر. وقد يوضع له لقب من فلسفته مثل ديوجانس الكلبي، أو من رسالته في قومه مثل سولن أحد أنبياء اليونانيين. ويذكر لفظ اليونانيين مع سقراط وديوجينس بالمفرد (يونان)، والأقوال التي لم تنسب إلى أصحابها بالإضافة إلى ظهوره في العناوين الثلاثة الأخيرة: «منسوب إلى اليونانيين»، «ومن أمثال اليونانيين»، «مما نقل من أسفار اليونانيين»، وأمثال اليونانيين وأسفار اليونانيين. وتبرز شخصية الإسكندر المحورية، فله كلماته المستقلة، وله ذكر مع تلميذه أرسطو، ومع ديوجانس الكلبي، ومع ديمستانس الخطيب، ومع زينون الفيلسوف، ومع أكسينوكراش، ومع دنفيس، ولهخوس ملهيه، وفلسطين مزاحه، وقورنيقوس مضحكه.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحال · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (١) التدوين: التاريخ – القراءة – الانتحالص ١٠٢