27
ولا يعني المختصر إسقاط أسماء الأعلام كلها فهذا أقرب إلى الجامع الذي يركز على الأشياء، ففي مختصر كتاب الأخلاق لجالينوس تذكر أسماء الأعلام مثل أفلاطون وأرسطو وسقراط وسولون. بل وتذكر الأسماء الخيالية النمطية مثل هرمس. كما تذكر أسماء الفرق مثل الفلاسفة القدماء، القوم المتأخرين، الفلاسفة. ومن بقايا الترجمة يتم التخصيص على اللغة اليونانية تمايزا بين لغة الوافد ولغة الموروث. ويحيل جالينوس إلى باقي أعماله الأخرى مثل «آراء أبقراط وأفلاطون».
والأهم من ذلك كله هو تعشيق ملخص الوافد في ثقافة الموروث بالحديث عن الملائكة وأنها لا تتغذى ولا تتناسل لأن جوهرها باق على حال واحد، أما أبدان الحيوان فإنها تتغير وتفسد، جعل الباري لها شهوة الطعام والتناسل. ومن كان طبعه من البشر حب الجميل وفعله فقد اقتدى بسيرة الملائكة. واستحقوا أن يسموا متألهين، وتكون سيرتهم مثل سيرة الملائكة، طالما أن الإنسان لا يشعر بأن العقل الذي فيه لا يموت. وهذا لا يمنع من الطعام والشراب وإلا كان الإنسان ملاكا بالفعل. «ولا كرامة أعظم من مرتبة الاقتداء بالله حسب الإمكان البشري.» وهي عبارة أفلاطون، ومن الفضائل ما يليق بالإنسان ولا يليق بالملاك مثل ضبط النفس عن الشهوات؛ لذلك قال أفلاطون لا يقدر أن يسوس الناس سياسة فاضلة إلا أن يكون ملكا.
28
والأشياء التي تعرف منها إنسية ومنها إلهية. والإنسية لرياضة النفس مثل الحساب والهندسة والأعداد والنجوم والموسيقى؛ إذ يستعمل الوزن والإيقاع والنظام في تسبيح الله وعند الذبائح، والحكيم هو العالم بالأمور الإلهية. وهي الحركات السماوية والأفعال الطبيعية الكلية الحيوانية والنباتية. وليست الحكمة التامة إلا الله تعالى؛ فهو الحكيم المطلق. ولهذا قيل للإنسان فيلسوف أي محب الحكمة. فإيثار الحكمة والميل إليها أمر إلهي جليل القدر. وهو من خصائص النفس الناطقة ومن فضائلها. والله محب للخير. والنفس الناطقة تقتدي به. ويتعالى الله عن الإحسان، ومحبة الناس لله والأبرار السابقين لأنه غني عن العالمين. ولا تطلب منفعة إلا من السلطان الإلهي وحده وهو الله، ولا تطلب المخاصمة إلا منه وليست من السلطان الأرضي، فالله هو العدل حتى ولو أكثر الإنسان ترك حقه. وكالعادة ينتهي كل مقال بالحمد والشكر والمجد والشكر دائما أبدا.
29 (د) وقد قام المترجمون أيضا بالتلخيص مثل ثابت بن قرة (288ه) «في تلخيص كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو».
30
ويستعمل لفظ «تلخيص» مما يدل على أنه نوع أدبي مبكر عند المترجمين. ويعني التلخيص عند ثابت التحول من الإقناع إلى البرهان «مما جرى الأمر فيه على سياقه البرهان سوى ما جرى من ذلك مجرى الإقناع.» فأرسطو يأتي في كتابه هذا بأقاويل فيه إغماض «يحتاج إلى شرح وبيان.»
31
وهو تلخيص «على طريق الجملة» أي التركيز الشديد الذي سيصبح الجوامع فيما بعد.
ويذكر أرسطو ثم أفلاطون. ويحال إلى السماع الطبيعي ثم إلى السماء.
32
ويوضع أرسطو في سياقه بالمقارنة بأفلاطون، وصفا للجزء في إطار الكل. وإحالة ما بعد الطبيعة إلى الطبيعة تدل على أنهما علم واحد ولا تستعمل أفعال القول كما هو الحال في الشرح والتفسير إلا قليلا.
33
ويتم شرح عنوان الكتاب «فيما بعد الطبيعة» ببيان القصد منه. ثم يتتبع مسار فكره خطوة خطوة من المقدمات إلى النتائج للوثوق بصحة الاستدلال. ويظهر مسار الفكر وتوضيح الأشكال بعبارات الشرط «فإن ظن ظان»، «فإن قيل»، ثم الجواب «فقد تبين من هذا أن» فالغاية من التلخيص هو أيضا الشرح والبيان والتوضيح.
34 «التلخيص تبديد الظن الذي يظن كثير من الناس» أي التخلص من الأفكار الشائعة التي ذاعت عن أرسطو وتصحيحها. التلخيص حجاج وجدل مع مسيئي تأويل أرسطو «إلا أن قوما يرون أنه يجب من هذا.»