18
فإذا ما ساير شرحان لابن سينا وابن رشد الترجمة في حالة الموضوع والاتفاق في المصطلحات فإن ذلك يعني وجود بداية موضوعية وفهم لنواة النص. أما إذا خالف الشرح الترجمة تكون للشرح الأولوية على النص لأن الشرح قام بدور الفهم والبناء والتركيب كخطوة نحو التأليف. وأصبحت الترجمة عملا تاريخيا ماضيا بغير ذي دلالة مثل النفايات النووية بعد أخذ الطاقة منها. وإن استعمال بعض ألفاظ الفهم والتمثل والاحتواء والهضم والمضغ والازدراد والإخراج من العمليات العضوية لوصف العمليات الحضارية له ما يبرره في الوعي الحضاري. وهو وعي حي له عملياته في التمثل والإخراج، في النقل والإبداع. (ب)
الانتقال من الشرح إلى التلخيص على مستوى المعنى: ويتم الانتقال من الترجمة والشرح إلى التلخيص على مستوى المعنى، من أجل التركيز والتعامل مع المعاني كماهيات ووحدات مستقلة يمكن إعادة تركيبها وبنائها في مرحلة التأليف. ولابن رشد تسعة تلخيصات؛ ثمانية في المنطق وواحد في الطبيعيات. والهدف من ذلك: (1)
الانتقال من الغموض إلى الوضوح، وما تبقى من المنقول إلى المعقول من أجل إبراز المعنى الخالص بصرف النظر عن مصدره، وافد أو موروث، عقلي أو نقلي، ورفع قلق عبارات المترجمين. (2)
العرض العقلي النظري الخالص بلا أمثلة على مستوى العموم أو الخصوص. فالفكرة واضحة بذاتها، تحتوي على مقياس صدقها في ذاتها. (3)
الترابط المنطقي في البنية العقلية على مستوى الاتساق الداخلي للموضوع حتى يظهر الموضوع العقلي قبل أن يتحول في التأليف إلى الموضوع الواقعي. (4)
حذف الزائد وإكمال الناقص، وبلورة المعنى وتحديد الموضوع حتى يصبح مركزا مدببا يمكن التعامل معه في بناء موضوع أشمل وأعم، تخليص الشرح مما زال عالقا به من أخلاط من أجل الإيجاز والاختصار. (5)
الإقلال من المادة والأمثلة على مستوى التعميم والتطبيق سواء في البيئة الثقافية للترجمة الأولى أو في البيئة الثقافية الثانية للتلخيص. (6)
تخليص النص المشروح من الأقاويل الجدلية والخطابية وتحويلها إلى أقاويل برهانية أكثر دقة من أجل إحكام طرق استدلالاتها لتصبح نظرية عامة خارج إطار بيئتها المحلية. (7)
وضع الوافد في الموروث منعا للتغريب والازدواجية ليس فقط على طريقة الوعاء كما هو الحال في الشرح بل عن طريق الموضوعات نفسها أي بداية للتحول من الشكل إلى المضمون، ومن الألفاظ إلى المعاني.
وكما أن الشرح مرحلة تالية للتعليق والتعليق مرحلة تالية للترجمة، فإن التلخيص مرحلة تالية للشرح، يبدأ بالمعنى وليس باللفظ، بالقصد وليس بالعبارة. ومع ذلك قد تكون الترجمة تلخيصا منذ البداية، مجرد التعرف على المعنى حتى يتضح في الذهن، والتعبير عن ذلك باللغة العربية المباشرة حتى يتم التأليف في الموضوع. فالترجمة تتم بناء على باعث فكري واهتمام فلسفي بالموضوع. وذلك مثل ترجمة الآثار العلوية. فهي مجرد تلخيص بطريقة القول الشارح. وقد يكون الشرح تلخيصا أي إدماجا وحذفا كيفيا دون حذف كمي. إذا كان النص المنقول غير متوازن المقالات من حيث الكم فإن وظيفة الشرح إعادة إنتاج النص بحيث يحقق توازنا أكبر بين المقالات. وإذا ما تفاوتت مؤلفات أرسطو فيما بينها من حيث الكم فإن الشرح لا يلتزم بنفس النسبة الكمية. قد يسهب في كتاب قصير، ويختصر كتابا طويلا.
19
قد يكون الهدف من الشرح جمع الموضوعات المشتتة المفرقة دون قسمة جامعة بينها أو بنية. مهمة الشرح لم الموضوع وجمع عناصره المتناثرة في بنية واحدة كما هو الحال في كتاب الآثار العلوية الذي تشتت موضوعاته وتتفرق دون قسمة جامعة بينها.
20
وبالتالي يصبح الشرح هو الأصل والترجمة هي الفرع، عملية وعي حضاري بقلب الأصل فرعا، والفرع أصلا.
وقد يقوم النقلة أنفسهم بمختصرات قبل الشراح والفلاسفة. يساهم في ذلك الأدباء والأطباء وكل أهل الثقافة المشتغلين بالفكر سواء كانوا معروفين أو غير معروفين، يأتي التلخيص قبل الترجمة كما هو الحال في كتاب الشعر قبل ترجمته من أجل مجرد التعريف بالكتاب. فإن دعت الحاجة بعد ذلك إلى ترجمته كلية جاءت الترجمة في جو ممهد ثقافيا لقبول الكتاب والرغبة في التعرف على المعاني قبل الألفاظ على عكس كتب المنطق الأخرى التي بدأت ترجماتها قبل شرحها وتلخيصها. وقد يتم التلخيص والشرح مع الترجمة وربما قبلها في صياغتها وحولها من أجل تفتيت النص من الداخل ثم حصاره من الخارج. ولا يتحقق الغرض عن طريق محاصرة النص بوضع الشرح مع النص مساويا له في الأهمية وبالتالي يتم ابتلاع النص في الشرح.