تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ،

منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك . إن وضع المسارين معا، الفلسفة اليونانية والفلسفة الإسلامية، يساعد على فهم كل منهما بالآخر فربما تماثل المساران. وتوحدت التيارات والاتجاهات، وظهرت بنية حضارية واحدة في كل مسار، مثل التيار العقلي الفيثاغوري الأفلاطوني، تيار الأعداد والصور المفارقة والتيار الطبيعي المادي عند الإيليين. ويرمز لهما بأفلاطون وأرسطو اللذين حاول الفارابي الجمع بينهما في فلسفة واحدة تعبر عن رؤية الحضارة الإسلامية للعالم.

104

ويبدو أن مصير كل حضارة في التاريخ انقسامها إلى تيارين؛ الأول يؤكد مطلبها المثالي، والثاني مطلبها الواقعي. الأول يجعلها أكثر جذرية، والثاني أكثر محافظة. الأول عقلاني، والثاني حسي.

105

ومع القدماء هناك ألفاظ أخرى مشابهة مثل المتقدمون وعكسها المحدثون، والقدماء الأول وعكسها المتأخرون، والأوائل، والأقدمون، والقدماء الأول وعكسها المتأخرون، والأوائل، والأقدمون من الطبيعيين، والقدماء الأول من الطبيعيين. وهي أكثر تخصيصا من اللفظ العام الأول. يعني المتقدمون القدماء تماما في مقابل المحدثين الذين يجب عليهم ما يجب على القدماء من حل الإشكالات وإيجاد الحلول، كان معظم كلام المتقدمين في الطبيعيات. فقد ترك ابن رشد طيماوس وخروسبس المذكورين في نص أرسطو، وتحدث عن المحدثين والمتقدمين، وعن القدماء والمحدثين، تاركا الخاص إلى العام، والمثل إلى التاريخ، فما يهم هو تاريخ الفكر وليس أشخاص المفكرين. ونظر إلى أرسطو مؤرخا للفكر اليوناني، مفكرا في سياقه التاريخي وفي إطار حضارته اليونانية احتراما للماضي وبلورة للوعي التاريخي. فقد قال بعض المتقدمين إن الأسطقس واحد، وقال آخرون إنه كثير، وإن المبادئ هي الأمور الشخصية التي منها تقوم المحسوسات. كذلك طلب المتقدمون المبادئ الأولى للموجودات بما هي موجودات وليس بصفة خاصة وإلا كان مطلبا بالعرض.

106

ويعرض ابن رشد لعدد من أسماء الفرق مثل الإيطاليين أي الإيليين. وهي طائفة كانت تقول بعلتين؛ الهيولانية والفاعلة. ويعبر ابن رشد عن ذلك بصيغة الاحتمال وكأن الأفكار وانتشارها يؤرخ لها بتاريخ الفرق على ما هو معروف في الفرق الكلامية. أما إيطاليا التي يقطنها الفيثاغوريون أو ما يقرب منها فلها اسم خاص، وهي التي تعرف في عصر ابن رشد ببلاد الإفرنج. فالتمايز أيضا بين إيطاليا وجزيرة الأندلس.

107

ويشير تعبير الأقدمين من الطبيعيين أيضا إلى الطبيعيين الأوائل الذين يقولون بالمادة والفاعل لا المادة والصورة، وكانوا يقولون بأن الواحد الذي هو جوهر الموجودات هو الأسطقس؛ نارا أو هواء أو ماء. ويشير تعبير القدماء الأول من الطبيعيين إلى نفس التعبير السابق واعتبار المبدأ لجميع المتكونات واحدا من الأسطقسات الأربعة؛ فهي تعبيرات على التبادل حسب الأسلوب. ويشير مصطلح الطبيعيين الأول إلى أنكساجوراس وآل أنبادقليس وآل ديموقريطس وآله على ما يظن ابن رشد حتى لا يقع في القطع والجزم في أمر تاريخي. أما لفظ الطبيعيين فإنه يطلق على هؤلاء الذين جعلوا مبدأ الأمور الطبيعية مبدأ طبيعيا. فقد قالوا بالهيولى والأسطقسات الأربعة باستثناء الأرض؛ لأنها لا تخضع للمد الطبيعي، وتبعهم أفلاطون. ويقال الطبيعيون في مقابل الفيثاغوريين الذين وافقوهم في القول بأن المبادئ اثنان مع اختلاف طبيعة المبدأين عند الاثنين. والفيثاغوريون يتشبهون بالطبيعيين ولكنهم يفسرون الموجودات بمبدأ غير طبيعي مثل النقطة والمساحة. وهو ما أصبح المادة أو الصورة عند الطبيعيين الأوائل، أما التعاليميون فهم أصحاب العلوم الرياضية، علم الفلك خاصة علم الفلك في عصر أرسطو وعصر ابن رشد نظرا لرصده ظواهر فلكية في جزيرة الأندلس، والمنطقيون عكس السوفسطائيين، آراؤهم مرضية شريفة. أما المنجمون فإن أقوالهم كاذبة. يظنون أن بعض الكواكب سعود وبعضها نحوس. فلا يوجد في الأشياء التي هي بالفعل وخالية من القوة شيء رديء لا خطأ ولا فسادا ولا شرا. أقصى ما يقال إن بعضها خير من بعض، وهذا يوجد في الخالية من الحركة وفي المتحركة. كما اختلف المنجمون في عدد حركات الكواكب وينتهون بالرصد إلى عددها ووضعها من فلك البروج. فإذا ما رصدوها بآلات وجدوها في مواضع أخرى. فاقتضى ذلك تجديد حركة الكوكب. وهناك فرق بين علم النجوم وعلم التنجيم، الأول علمي والثاني وهمي، ويطلق تعبير المتأخرين من المتفلسفين على أرسطو والذين يستعملون مصطلح العقل الفعال. فالمتأخر ما بعد أرسطو، والمتقدم ما قبله، ويستعمل لفظ الحكماء للدلالة على صنعتهم في الفحص عن جميع الموجودات. وهذه شريعة خاصة بهم. فالشريعة هنا لفظ موروث يدل على معنى وافد بمعنى مجازي وليس بمعنى حقيقي، فلم تأت التصورات أو الدوافع من الموروث بل أيضا من الألفاظ. ويطلق لفظ المفسرين على شراح أرسطو مثل الإسكندر. ويحاول ابن رشد معرفة إجماعهم التام أو الناقص مثل إجماع أكثرهم على أن العقل الهيولي باق، وأن العقل الفعال مفارق كالصورة في العقل الهيولاني شبه المركب من المادة والصورة، وأنه يخلق المعقولات كصورة ويقبلها عن جهة العقل الهيولاني كمادة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٧٢