تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38

ويستعمل ابن باجه أمثلة من التاريخ الإسلامي مستقلا عن أمثلة أرسطو طبقا لقياس العلة عند الأصوليين. فالمثل من أرسطو يعبر عن فكرة ثم يكمل ابن باجه الفكرة ويتمها ثم يعطي لها مثلا جديدا. مثال أرسطو يعادل الأصل. وفكرته الحكم، ومثال ابن باجه الفرع، وفكرته تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لتشابه بينهما في العلة كما هو الحال في القياس الأصولي أو طبقا لنظرية المثل والممثول في التأويل الشيعي على النحو الآتي:

وهي نفس الطريقة التي تمت بها زيادة في معجزات المسيح في الأناجيل ومعجزات الرسول في كتب السير أو مؤلفات الكلام، من المثل الأول إلى الممثول إلى المثل الثاني، المهدي يحرك الرشيد بالذات، والمنصور يحرك المهدي بالذات إذن الرشيد يحرك المنصور بالعرض. فالمثل الثاني للحركة بالذات والحركة بالعرض يدل على مدى الحضور للتاريخ الأموي من الشرق في وعي ابن باجه، وكان يمكن إعطاء مثل علمي من الاعتماد والأكوان عند المتكلمين ولكن زمان الكلام قد ولى في عصر الحكمة.

39

وتظهر الأمثلة العربية للموجودات الخرافية مثل عنز أيل أو الغول. كما يبدو الأسلوب العربي في ضرب المثل بزيد وعمرو ككائن طبيعي. جوهر حامل للأعراض. بل يظهر الأسلوب العربي، أسلوب الفقهاء في تخيل المعترض أو الشاك والرد عليه سلفا من أجل إكمال جوانب الموضوع، وبيان أنماط الاعتقاد، وافتراض قول آخر من أجل إفساح المجال للرأي الآخر. كما يظهر الأسلوب العربي في التعبيرات النمطية مثل «ليت شعري»، كما تظهر عند ابن رشد، وربما هي من عادات الأندلسيين. وتكشف عن أنماط الاعتقاد مثل الحيرة والتردد والتساؤل والظن واليقين عندما يتجلى الموضوع في الشعور ويتم الاقتراب منه.

40

وينتهي المؤلف أو الناسخ أو القارئ، فالشرح وثيقة جماعية مثل الترجمة بطلب الرضا من الله والحمد لله والصلاة والسلام على النبي وآله، وتوثيق الحكم الشرعي لملكية المخطوط واسم المالك وتوقيعه وشهرته ومكان التوقيع وزمانه واسم البائع وبعض أبيات الشعر في ثقافة لم تجهل التوثيق ونقد الروايات شفاهة وتدوينا.

41 (2) الكون والفساد

وكما يتداخل الشرح مع التعليق وهو شرح على الشرح كذلك يتداخل مع التلخيص إذا كان شرحا قصيرا مقتضبا، وربما مع الجوامع أيضا. وذلك مثل الكون والفساد لابن باجه، «من قوله» والقول يمكن تفسيره في أكثر من نوع أدبي.

42

ويشمل في الأصل عشرة أو أحد عشر بابا لخصه ابن باجه مثل ابن رشد في مقالة واحدة دون فقد شيء من المضمون والمحتوى. فهو أقرب إلى التلخيصات أو الجوامع منها إلى الشروح ما دام التركيز على المعنى أو الموضوع دون العبارة أو اللفظ، ومع ذلك فهو تلخيص أوسع من تلخيص ابن رشد. ويحيل ابن باجه إلى المترجمين ناقلا النص من الترجمة إلى التلخيص.

وبطبيعة الحال يأتي أرسطو في مقدمة الوافد ثم ديموقراطيس فيلسوف الكون والفساد ثم باقي الفلاسفة. ويشير إلى القدماء على وجه العموم.

43

ويدرك ابن باجه أيضا دور أرسطو المؤرخ في نقد القدماء في إبطالهم الكون والفساد لأنهما ليسا بالقوة كما هو الحال عند بارمنيدس ومالسيس، ولأنهما نوع من الاستحالة عند ديمقرطيس وطاليس وهرقليطس وأنكساجوراس. يرفض أرسطو الرأيين المتعارضين إنكارهما أو إثبات استحالتهما، ويأخذ موقفا طبيعيا واقعيا، موقف الإثبات. ويفسر ابن باجه التكون والاستحالة عند أنبادقليس بأن الكل عند استيلاء المحبة يرجع واحدا وعند الغلبة يصبح كثيرا. ويشير إلى ديموقريطس كنموذج ألا يتكون موجود إلا عن موجود مثل ما لا ينقسم سواء كان سطحا كما هو الحال في طيماوس أو نقطا وخطوطا كما هو الحال عند ديموقريطس. ويعرض ابن باجه لموقف القدماء من أنواع الكيف إذ يعتبرون الحمرة أثرا كما يعتقدها الجمهور حمرة الخجل. فالكيف حادثة يختصها القدماء بالدلالة عليها بالأثر. ويضرب ابن باجه أمثلة لقضايا المنطق من الطبيعة ويحيل قضايا الطبيعة عند القدماء حلا لغويا منطقيا كما يفعل الفارابي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٣٥