تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30

كما يذكر الأقدمين من الطبيعيين ويعني بهم أيضا المتقدمين. كانوا يوجهون نظرهم نحو العالم دون تخصيص الحركة بل من جهة ما تدعوهم الضرورة إليها، ومع ذلك اختلف العلماء القدماء في المكان. أرسطو هو الذي فصل العلم الطبيعي، كما يذكر الطبيعيين وهم الأقدمون من الطبيعيين وكأن مسار التاريخ منهم إلى أرسطو التحول من الخطأ إلى الصواب، ومن الجدل والسفسطة والخطابة والشعر إلى البرهان. يذكر أرسطو آراءهم باعتباره مؤرخا. وقد جعل أرسطو التكون إحدى الحركات وهو ما لم يلتفت إليه الطبيعيون. ثم نقد أرسطو آراءهم بعد ذلك في المادة، وعبر عنها بطريقة البرهان.

31

ومن الطبيعي أن يكون أرسطو أكثر حكماء اليونان ذكرا ثم شراحه مثل ثامسطيوس ويحيى النحوي.

32

ومن الطبيعي أيضا أن يأتي من حكماء الإسلام الفارابي في المقدمة باعتباره المعلم الثاني، وارث أرسطو. فقد أصبحت أعمال الفارابي على أرسطو وافدا تحول إلى موروث أو موروثا أصله واحد.

33

فهو صاحب براهين مثل أرسطو. وهو ملخص لأعمال أرسطو عارضا لها كما فعل في كتاب البرهان. وهو راو لما ينقضه يحيى النحوي على أرسطو ناقد له على طريقة الرسم، وهو مؤلف مستقل وصاحب «الموجودات المتغيرة» وهو ناقد يحيى النحوي في القوة التي لا تتقدم الحركة بالزمان.

34

كما يستعمل ابن باجه التراث العلمي الموروث من ابن سيد إحساسا بالإبداع العلمي، وينقد المتكلمين سابقا ابن رشد من خلال التأليف في الوافد وشرحه. وقد تقادمت آراء المتكلمين في عصر ابن باجه مما يدل على وراثة الحكمة للكلام لأن المتكلمين لم يقصدوا النظر في الطباع بل إن منهم من يبطل وجودها. وقد تكلموا في اليسير منها في معرض نقد الخصوم مثل الجزء الذي لا يتجزأ دون أن يقصدوا تحليل الطبيعة؛ لذلك يترك ابن باجه هذا الجزء الجدلي ويتوجه إلى البرهان مباشرة. ويوحد ابن باجه هنا بين المتكلمين والأشاعرة الذين سادوا بعد محنة المعتزلة والذين ينكرون الطباع.

35

وتبدأ صيغ التأويلات لإثارة الإشكالات حتى يتم تعشيق الوافد في الموروث مثل: هل هناك محرك أول لإثبات وجود الله؟ هل هو وجود واحد لإثبات الوحدانية؟ هل هو جسم لإثبات التنزيه؟ مما يدل على أن علوم الحكمة هي مزيد من التنظير والتعقيل لعلم أصول الدين، والدافع على الشرح أهم من الشرح لأن الشرح مقاصد. ومن هنا أتت أهمية السابعة والثامنة في الطبيعيات لأنها تتضمن الحركة. الكل متحرك محرك لإثبات وجود الله على طريقة المتكلمين. يدرس ابن باجه الموضوع نفسه، وهو الدافع عليه والغرض منه وليس شرح الوافد.

36

والفرق بين الوافد والموروث أن كليهما يعتمد على العقل والواقع ثم يضيف الموروث مقياسا ثالثا هو الوحي الذي يضمن صحة العلاقة بين العقل والواقع.

وتظهر مباحث اللغة عند ابن باجه وفي مقدمتها اشتراك الاسم أو الاسم المشترك وهو الذي يفيد معنيين على نحوين مختلفين. وهو ما تعادل مباحث الألفاظ عند الأصوليين. وتظهر في السماع عامة أو في إحدى مقالاته على وجه الخصوص كالسادسة. ويسمى الاشتراك أيضا استعارة وتشابها، وهنا ينقل ابن باجه النص الوراد على منطق اللغة الموروث منعا للتشبيه والتجسيم ليس في الله بل في الطبيعة. والتفلسف هي هذه القدرة على التمييز بين معنيين لشيء واحد. الشرح إذن قراءة الآخر من خلال الأنا. ويتجلى الاشتراك وما ينتهي إليه من اشتباه في الاستعارة. والصورة الفنية أكثر قدرة من العقل على التعبير، فهي تكمل الاستدلال المنطقي. وأحيانا يكون الاشتراك بين ثلاثة معاني وليس بين اثنين فقط.

37

ويظهر البعد اللغوي الموروث عند ابن باجه في التكرار المستمر لتعبير «لسان العرب» تأكيدا على التغاير بين الأنا والآخر، بين العرب واليونان. فالمحرك يدل على وجود الحركة كالهيئة فيه طبقا لشكل اللفظ في لسان العرب. والحركة إذا قيلت على الحركة في المكان في لسان العرب قد ترادف النقلة، والنقلة قد تعني في لسان العرب العام والخاص طبقا لمنطق الأصول. وأشهر معانيها ما يبدل جملة مكانه لأنه من الأقاويل المستعملة عند العرب، واللفظ اليوناني للنقلة أخص من استعمال العرب إذ يفيد المتنقل قسرا وطبعا. والعرب لا تسمي الحيوان متنقلا. والنهاية في لسان العرب تدل على ما فيه التناهي، على الآخر وليس على المبدأ، آخر توجد عليه الحركة مثل استعمال الطرف في لسان العرب. والمضاف عند أرسطو في لسان العرب هو الوقت بعد الوقت أو المقارنة أو المناسبة. ويعتمد ابن باجه على تحليل المعاني الأرسطية في اللسان العربي، ونقل الوافد على الموروث قبل ابن رشد، وتحويل معنى الحركة عند أرسطو من الطبيعة إلى اللغة كما فعل الفارابي في تحويل المنطق إلى لغة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ٣٤