14
يدرس ابن باجه موضوعات أرسطو من جديد وينتهي إما إلى الاتفاق أو الاختلاف معه. يتفق معه في تحديد الممكن الذي إن وجد لا يلزم منه محال. وحد الحركة بأنها كمال بالقوة من جهة ما هو بالقوة. لم يعدل أرسطو عن طريق التعليم ولم يكرر نفسه بل أبدع إبداعا مستمرا، ولم يتناقض بل أقواله كلها متسقة. ولم يخرج عن الموضوع الذي ناقضه فيه الآخرون مما يدل على جديته واحترامه الرأي الآخر، ويكمل ابن باجه ما لم يلتفت إليه أرسطو مثل أن الكون والفساد ليسا بحركتين، وكذلك الاستكمال.
15
أرسطو ما هو إلا مناسبة لاستكمال الموضوع الذي بدأه أرسطو. فأرسطو هو نقطة البداية وليس نقطة النهاية.
16
وقد يكون الخلاف بين ابن باجه وأرسطو في التسمية والاتفاق في المسمى في إطار التشكل الكاذب.
ويتضح كون ابن باجه هو الدارس وأرسطو هو المعبر والقائل والمبين من نصوص ابن باجه نفسه وأن له قولا مستقلا، يعبر عن دراسة مستقلة قد تتفق مع أرسطو وقد تختلف. ويعبر ابن باجه صراحة عن ذلك في أوائل المقالات وفي أواخرها، دفاعا عن أرسطو خصوصا عن ضرورة التعليم. ما قاله ابن باجه هو ما قاله أرسطو باستثناء هذه الضرورة. وإذا ما تضامن أرسطو مع ابن باجه أو ابن باجه مع أرسطو فإنهما يقفان معا ضد سوء فهم الشراح اليونان له. فلم يترك أرسطو التغير الذي تشكك عليه الأقدمون ولا جهله، فلا يمتن عليه أحد بنصرته حيا مثل ثامسطيوس، ولا هو موضع حيرة كما يصفه الإسكندر. فالنسق قائم داخليا ببنيته الذاتية. ولا يخطئ أرسطو بإطلاق الحكم الكلي على الجزء وهو واضع المنطق بل يحاول إيجاد قانون عام. فأرسطو على حق في قصده. وهو من أحسن القوم نظرا، ويشرك ابن باجه القارئ في الحكم، ويجعله شاهدا إذا ما تأمل بنفسه الأمر. يدرس ابن باجه الموضوع ويتحقق من قول أرسطو فيه ثم يدون قوله.
17
فقول أرسطو متوسط بين قول ابن باجه والموضوع ذاته مثل موضوع الحركة وأن الكل متحرك على النحو الآتي:
ويعني الشرح إحالة الجزء إلى الكل، ووضع النص المشروح في سياق العمل الكلي، مثل تفسير الكتاب بالكتاب عند المفسرين وتفسير الآية بالسياق. يحيل ابن باجه «السماع» إلى باقي أعمال أرسطو المنطقية والطبيعية وإرجاع الآن أي الزمان من الطبيعة إلى المنطق تأكيدا على وحدة النسق الأرسطي. ويتداخل اسم الكتاب مع اسم المنطق قضاء على التشخيص، ويحيل ابن باجه إلى سائر كتب أرسطو في موضوع الحركة لإيجاد نسق كلي للتحليلات الجزئية.
18
يدرك ابن باجه وحدة الفكر الأرسطي ووحدة المذهب فيضع الأجزاء في إطار الكل؛ لذلك ينفي ابن باجه التناقض والاستحالة والشناعة في كلام أرسطو.
19
كما يحيل إلى المقالات الجزئية للكتاب مفسرا الكتاب بعضه ببعض سواء كانت الإشارة إلى أرسطو أو شراحه مثل ثامسطيوس. وأحيانا يقتبس داخل شرحه نصا صغيرا كما هو الحال هذه الأيام عندما تطول الاقتباسات ولا يشار إليها عجزا عن إبداع نص جديد واعتمادا على النصوص المشروحة أكثر من النصوص الشارحة، فالموضوع الكلي حاضر في الذهن كوحدة واحدة كموضوع كلي يسهل بعدها الإحالة إلى الأجزاء والمقالات حتى تظهر وحدة الموضوع وقصده.
20
بل إنه يعتمد على عدة نسخ من السماع كما في تفسيره لما بعد الطبيعة.
ويحدد ابن باجه أنواع الأقاويل في مؤلفات أرسطو. فقد كان هدف أرسطو هو التمييز بين الأقاويل المشككة والسوفسطائية عند السابقين عليه مثل برمنيدس وماليسس والجدلية والطبيعية عند سائر الطبيعيين قبل تمييز ابن رشد الشهير بين الأقاويل الثلاثة. فأرسطو هو مؤرخ للقدماء وناقد لهم، قولا قولا. وابن باجه صاحب الوعي التاريخي الإسلامي بين المشرق والمغرب أدرك الوعي التاريخي عند أرسطو. كان أرسطو ابن عصره وقته، ينقل حضارته من الظن إلى اليقين، وكأنه أعلم أهل زمانه. فهو يمثل مرحلة في تاريخ الفلسفة اليونانية ينقلها من السابقين إلى اللاحقين. ويقارن ابن باجه بين زمان أرسطو وزمانه ناقلا الزمان اليوناني إلى الزمان الإسلامي. ويقوم أرسطو بتلخيص أفكاره وشرح أقوال السابقين وهو ما يفعله الحكماء المسلمون ويعيد عرضها بطريقة الرسم في نوع أدبي جديد أقرب إلى المنهج أو الطريقة منه إلى الشكل الأدبي، تحويل الطبيعة إلى منطق. كما يتحول اسم الحركة إلى اسم كتاب ثم الكتاب إلى قول، تحويلا التاريخ إلى مواضيع بنيوية مستقلة عن التاريخ. أرسطو مؤرخ ينقل الفلسفة اليونانية من الظن إلى اليقين، ومن الخطابة والجدل والسفسطة والشعر إلى البرهان. فهو حلقة وصل في تاريخ الفلسفة اليونانية بين ماضيها وحاضرها. يقسمها إلى مرحلتين، ما قبل أرسطو، وما بعد أرسطو، وهو نفس موقف ابن رشد من دور أرسطو في الفلسفة اليونانية مما يدل على أن الوعي التاريخي الإسلامي استطاع إدراك الوعي التاريخي اليوناني بعد أن ساهم في بلورته قصص الأنبياء ونهاية الوعي، وقسمة آخر مرحلة فيه إلى ما قبلها وما بعدها كما يفصل أرسطو مع اليونان ما قبله وما بعده. وإذا اكتملت البنية ظهر التاريخ.