8
والشرح لا يكون للجلي ففيه الكفاية. ويمكن شرحه بالقول الشارح، ولكن الشرح يكون للخفي، ويكون الشرح في هذه الحالة نظرية في الإيضاح. وبالرغم من أن الشرح عادة ما يكون أكبر من النص المشروح في حين أن التلخيص يكون أصغر منه إلا أن ابن باجه في شرحه على وعي بأهمية اختصار الشرح.
ويصف ابن باجه مسار فكر أرسطو، فيحد الطبيعة أولا ثم يترقى إلى تعديد الأجناس من الأسباب، كما تقصى في الخامسة من «السماع» الشكوك على كل أنواع الحركة. يصف ابن باجه أفعال الشعور عند أرسطو أو عند منتقديه كما تبدو في أفعال: يستعمل، يبين، يتشكك، يعتمد، يضع، ينبه. ويكشف عن منهجه الاستقرائي، وانتهائه إلى مثل ما انتهى إليه ابن باجه نفسه عقلا، فلا فرق بين التجربة والعقل. كلاهما ركيزة الوحي.
9
وتظهر أنماط الاعتقاد في أفعال الشك والظن واليقين والنظر والتأمل والفهم والاستقراء كما يتضح من تحليل الأسلوب المسار الفكري لابن باجه والانتقال من فكر أرسطو، من المقدمات إلى النتائج، وتظهر المقدمات في صيغة «لما كان» أو «إذا كان»، فعل الشرط مقدمة وجواب الشرط نتيجة.
ويبين ابن باجه مقدمات أرسطو ونتائجه واستدلالاته وبراهينه معللا خطوات فكره ومدركا الأسباب التي جعلته ينتهي إلى ما انتهى إليه؛ لذلك يتصدر اسم أرسطو باستمرار لام التعليل معطوفا على اسم الإشارة في صيغة «لذلك». ففكر أرسطو فكر علمي برهاني كما هو الحال في الفكر الأصولي. كما يبحث ابن باجه عن أسباب ما تركه أرسطو لإكماله. فالكامل يدرك الناقص.
10
وتظهر استدلالات ابن باجه إما على نحو طبيعي أو بتوجهات من الموروث مثل برهان الأخلاق وهو برهان الأولى عند الفقهاء وبرهان اللزوم، لزوم النتائج من المقدمات.
11
ويبين الشرح هدف قول أرسطو وغرضه، وتوجه فكره نحو قصده. فالموضوع قصد قبل أن يكون قولا. ويبدو الغرض على مراحل في سلسلة من الأغراض المتتالية. فالغرض من الطبيعة أولا حد الطبيعة ومعرفة مبادئها العامة مثل الحركة والسكون، ومعرفة السبب وأنواعه من جهة المادة أو الصورة أو الفاعل أو الغاية، وأنواع الحركة المتصل والمنفصل والمكان والخلاء والزمان. يشرح ابن باجه أرسطو خطوة خطوة لإيجاد نسقه الداخلي ومعرفة ما القصد إيجابا وما هو غير القصد سلبا.
12
وأحيانا تغيب أفعال القول كلية. ويبدأ ابن باجه بالتعامل مع الموضوع مباشرة مع بيان القصد والغرض في صيغة تساؤلية لبيان الأشكال.
ولا يعني الشرح عند ابن باجه، كما يبدو الحال في الظاهر، شرح الأقوال وتفسير العبارات بل يعني إعادة دراسة الموضوع على نحو تأملي وإعادة كتابة النص المشروح. فهناك موضوع مشترك بين الشارح والمشروح. هناك نقطة إحالة خارجية عن القوليين في الموضوع ذاته.
13
فالموضوع في الذهن ويعود إليه ابن باجه بين الحين والآخر استدعاء من الذاكرة. والأقوال خارجية. القول المشروح يعبر عما في الذهن على نحو ما، والنص الشارح يعبر عنه على نحو أوضح وأكمل. الشرح عملية فلسفية خارج العبارات بين الذهن وموضوعه. ويستمد ابن باجه أمثلة من الطب لم تكن في النص المشروح. وقد قامت الشروح على براهين منطقية وحجج عقلية تدل على أن ابن باجه يدرس الموضوع ولا يشرح القول؛ لذلك يكشف الشرح ارتباط النص بزمانه وعصره وتعليم الناس في وقته. فالنص تاريخ. وأرسطو لا يكرر نفسه في المقالات الثانية للسماع لأن المطالب متغيرة، والموضوعات وإن كانت واحدة إلا أن تناولها مختلف طبقا للعلوم، المنطق أو الطبيعة.
ويدرس ابن باجه الموضوع ثم يرجع قول أرسطو إلى نتيجة دراسته من أجل فهم قول أرسطو بإرجاعه إلى الشيء نفسه أو لإكماله لتصحيحه. فابن باجه هو الدارس، وأرسطو هو المدروس، ابن باجه هو المشروح وأرسطو هو الشارح، وبعد أن يفهم ابن باجه أرسطو يأتي بأمثلة جديدة من عنده ويسقط أمثلة أرسطو، يعرف ابن باجه الموضوع ويستعمل لغة أرسطو. أرسطو مجرد استعارة قول دون شيء أو منهج، مجرد لغة أي تشكل كاذب. فإذا اتضح ذلك بان بعد غور أرسطو وعمقه في مقابل سطحية الشراح اليونان وخطئهم مثل ثاوفرسطس وثامسطيوس، وكأن مهمة ابن باجه تلخيص أرسطو من براثن الشراح. ويبين ابن باجه عمق مذهب أرسطو «حكم واقع»، وأنه اللائق به «حكم قيمة». ويعيب على الإسكندر عدم دفاعه عن أرسطو حتى شك ثاوفرسطس على أرسطو في حين يدافع ابن باجه عن أرسطو ضد حيرة الشكاك في موضوع التغير وإمكانية الحكم عليه بإطلاق، وكذلك تشككه في الزمان ووجوده في الذهن.