35
ويظهر لفظ الإلهي ترجمة لما بعد الطبيعة في تقسيم أرسطو للفلسفة إلى تعاليمية وطبيعية وإلهية. والتعاليم تعود إلى الإلهيات؛ وبالتالي فهي جزء من الفلسفة. أما الطبيعية فإنها تتعامل مع المادة والتغير، والإلهية عرية عنهما. وأحد الحدود الستة للفلسفة الحد الثاني وهو أن الفلسفة علم الأمور الإلهية والإنسانية. والحد الخامس وهي أن الفلسفة هي التشبه بالله تعالى بحسب الطاقة الإنسانية في علم الحق وفعل الخير وهما لأفلاطون. وإذا كانت الفلسفة هي العلمية الموجودات بأسرها، والعملية نفوس الناس، فإن الإلهية هو الاتصال بالله والتشبه به بقدرة الطاقة الإنسانية. حدود الفلسفة إذن ستة؛ ثلاثة لفيثاغورس واثنان لأفلاطون وواحد من أرسطو. وقد يطرأ شك على حد الفلسفة بأنها معرفة الأمور الإلهية والإنسانية دون معرفة مصادر العلم بالأسطقسات وباقي الحيوان والنبات. ويكفي في حل هذا قول أوميروس أن زاوس رب الآلهة والناس الكائنات الطبيعية الفاسدة، والأمور الإنسانية والأمور الإلهية.
واعتقد أفلاطون أن للأجناس والأنواع وجودات ثلاثة، وجودا قبل الكثرة وهو اعتقاده بالصور الموجودة عند الباري سبحانه قبل أن يخلق خلقه إذ إنه كان يعتقد أن عند الباري تعالى صورة إنسان وحمار وذهب. واعترض الفلاسفة عليه ومعهم أرسطو.
36
وهي موضوعات الرجل الإلهي، وفائدة النظر في إيساغوجي في أي علم من العلوم حتى لا يخلط نظر الإنسان فيقرأ كتابا إلهيا في علم طبيعي، ويدخل الباري في تنظيم الأجناس والأنواع وكأن التنزيه العقلي والإيمان الديني صنوان.
ويظهر الله في تحليل اللغة إذ يستعمل لفظ الله في تحليل حرف النداء «يا» مثل يا للتعجب «يا لغور رحمة الله»، وللتضرع «يا رب ارحمني».
37
كما يضرب المثل على المفرد الواحد بالله والإنسان في مقابل المركب.
ويظهر الله في العلم الطبيعي كامتداد لصناعة المنطق. فالله جوهر وكيفية لا هيولى له ولا نفس مثل باقي الكيفيات. والإلهي ليس كله غير محسوس إذ كانت السماء وحركاتها والكواكب محسوسة بأسرها وبها يتم الوقوف على ما خفي من الأمور الإلهية بمنزلة العلة الأولى تقدس. وإذا كان النبات ينقسم ثلاثة أقسام السامي عن الأرض، والقريب منها، والمتوسط بينها، فإن الله تعالى ليس جسما بل هو جوهر غير جسم.
والله موضوع علم ما بعد الطبيعة وحده. فالنجار لا يسأل عن طبيعة الخشب هل هو من الأسطقسات الأربعة أو له صورة عند الباري تعالى. والباري هو الذي أخذ خطا مستقيما وشقه بالطول وقسم الأمور إلى فاسدة وغير فاسدة. ولا يرى المفسر حرجا في الحديث عن آلهة اليونان أن زيوس أب لجميع الآلهة والناس. يقول الشعراء إن للآلهة آباء. وقد يسبق الظن إلينا أن الآلهة يولدون، بل من باب تهذيب الكلام أي المجاز دعوة بعض الناس أنهم أبناء الآلهة لصفاء عقولهم وعنايتهم بالأشياء الإلهية وتشبههم بالآلهة قدر الطاقة. ويدخل الملائكة كعنصر لشرح الأجناس والأنواع مع الإنسان. فكلاهما يشاركان في المنطق كما يشارك الإنسان الحيوان في الحياة، ويفصل الإنسان والملائكة الموت. وقد تعني الملائكة الأجسام السمائية.
38
ويبدأ التفسير بالبسملة ولا ينتهي بالحمدلة.
39
| رابعا: شروح ابن باجه
(1) السماع الطبيعي
واضح أن ابن باجه هو الذي تعامل مع الوافد بعد الفارابي وقبل ابن رشد. فهو حلقة الوصل بينهما من ناحية، وبين المشرق والمغرب من ناحية أخرى، ابن باجه هو روح الفارابي كمقدمة لمشروع ابن رشد.
ويكون ابن رشد مطورا لمشروع ابن باجه من شرح الجزء إلى شرح الجزء بالكل وبالقصد بحيث يمكن مقارنة المشروعين معا؛ ومن ثم تكون دعوة استقلال الفكر الفلسفي في المغرب عنه في المشرق غير صحيحة تقوم على حجج مبتسرة مثل أسطورة السياسة في المشرق والحريات الفكرية الأعظم في المغرب، وسيادة الأشعرية والتصوف والغزالي أقل في المغرب. فالسطوة في المشرق والمغرب على حد سواء من السلاطين والفقهاء، من قريش والجيش. والحريات الفكرية في المغرب قدرها في المشرق. ولا تقل الحياة الفكرية في بغداد والبصرة عنها في قرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة. وحضور الغزالي وسيادة التصوف لا تقل في المغرب عنها في المشرق إنما هي الرغبة في الاستقلال والظهور وأخذ الريادة والإحساس بالنقص مرتين، مرة أمام المشرق، ومرة أمام الغرب، وتقربا إلى الغرب العلمي العقلاني وشق صف الوطني، وكيف يكون كل دين منحولا أو شرقيا، نظرة المغرب إلى المشرق، وكأن المغرب في الأندلس لم يعرف الدين الشرقي المنحول، وكأن المشرق لم يعرف عقلانية البصرة وبغداد.