ويستدل الفارابي على وجود المبدأ الأول عن طريق الثنائيات العقلية اليونانية التي تسهل تنظيم الإيمان وتعقيله، الواجب والممكن، والكون والفساد، والعلة والمعلول، والماهية والوجود. ويستدل على صفاته مثل أنه واحد، ولا يجوز أن يكون جسما وسطحا وخطا ونقطة، لا يقتضي التكثر، عقل وعاقل ومعقول، حي، عالم، حكيم، مريد، ليس فيه ضدية للأشياء. وهنا يبدو اللاهوت السلبي مع الإيجابي، كما تتخلق صفات الذات عند الحكماء من صفاتها عند المتكلمين. ويظهر دليل التمانع المشهور عند الأشاعرة في إثبات أنه واحد.
والثالث «نسبة الأشياء إليه» يتعلق بالمخلوقات أو بالأحرى نظرية الفيض؛ إذ لا يصدر عنه إلا ما يلائمه. كمال لا نقص فيه. تصدر منه العقول ومنها تصدر النفوس مع الانتهاء إلى العقل الفعال. وتبدأ النبوة بالنفس القدسية التي تفيض عليها العلوم والمعارف مرة واحدة دون قياس شرعي. ثم يعرض النبي الشرائع وأركان الدين والعبادات لحفظ العالم. وأخيرا تعود النفس لتلقى الجزاء؛ الثواب أو العقاب. ولا يظهر لفظ الله إلا في النهاية. فالعلم كنز مدفون لا يفوز به إلا من سهل الله طريقه إليه.
| ثالثا: تفسير كتاب إيساغوجي لفرفوريوس (أبو الفرج بن الطيب)
وقد نسب هذا التفسير مدة طويلة إلى الفارابي، صاحبه أبو الفرج بن الطيب الطبيب المشهور (435ه) وربما من إملائه وليس من تأليفه. مدحه ابن سينا في الطب وذمه في الحكمة وهو معاصر له. وهو المفسر الشارح مثل ابن رشد.
1
وألقابه هي «الشيخ الفاضل»، «الفيلسوف الكامل» وهي ألقاب إسلامية، بالإضافة إلى «قدس الله روحه» وهي دعوى نصرانية. فقد كان نصرانيا وأسلم. واحتفظ باللغتين داخل الولاء للثقافة العربية، وهناك اثنان باسم فرفوريوس؛ الأول من صور والثاني من سفيلة الشام، وواضع إيساغوجي هو الصوري نسبة إلى المكان صور وليس إلى المنطق الصوري. وقد تم التفسير بناء على عادة مفسري الصناعة المنطقية بعدما رأوا طولها ونقلها وأنها مجرد آلة لغاية أخرى هي الفلسفة. فكان من الضروري تسهيل الآلة لبلوغ الغاية.
2
والفلسفة على أربعة ضروب طبقا للعلل الأربعة وهو ما أهمله مفسرو كتب أرسطو.
ويبدأ التفسير دفاعا عن الفلسفة ضد منكريها وهم في الأغلبية السوفسطائيون دون الإشارة إليهم.
3
ثم يقدم تعريفات ستة للفلسفة ثم منهجها وهو الحد، والقسمة إلى تعليمي وطبيعي وإلهي.
وكان الدافع على التفسير هو شكوى المفسرين من صعوبات منطق أرسطو ومقولات آخرين مثل أفلاطون وفيثاغورس وثاوفرسطس وجالينوس وكتب خروساوريا شاكيا من صعوبة المقولات. فقام فرفوريوس بشرحها. فالتفسير شرح على شرح، تفسير على تفسير، توضيح على توضيح. وواضح أن مستوى التوضيح الثاني إنما يتم على مستوى اللغة والألفاظ وتحليل الحروف. فالمقولات في النهاية ألفاظ قبل أن تكون تصورات. وهو مستوى الحضارة الجديدة وكأننا في مدرسة تحليل اللغة المعاصرة في الغرب الحديث. مهمة النصين الشارح والمشروح تجنب الألفاظ الغريبة. فاللغة توجد من الجمهور، والمعاني من الخواص، وتجنب التطويل، والقول بإيجاز، وتجنب الأسماء المشتركة ورداءة التأليف لأن الغرض الإيضاح والتقسيم.
4
وهو نموذج التفسير الذي يتقطع فيه النص، وتنفصل فقرات المؤلف عن فقرات المفسر.
5
الأولى تبدأ بعبارة: قال فرفوريوس، والثانية تبدأ بعبارة، قال المفسر، والتفسير ضعف النص تقريبا. وقد تتجاوز فقرة التفسير فقرة النص مما يدل على أن النص مجرد مناسبة للتفسير، وأن التفسير يتجاوز النص لدرجة أنه قد يصبح تأليفا غير مباشر مستقلا عن النص.
6
وقد يكون هذا التجاوز إلى الحد الأقصى والذي قد يبلغ العشرين ضعفا ثم العشرة أضعاف ثم الخمسة أضعاف. وهنا يكون التفسير زيادة على النص. وقد يتساوى التفسير مع النص. وقد يقل التفسير عن النص لدرجة النصف أو الربع. وفي هذه الحال يكون النقصان والتركيز.