4
وتبدأ الجوامع بتحديد القصد والغرض وهو التقاط الأقاويل العلمية من مقالات أرسطو الموضوعة في علم ما بعد الطبيعة على عاداته في الجوامع السابقة. وهي رؤية «بالجملة» أي الرؤية عن بعد، والجوامع بيان وإيضاح ليس للأقوال بل للموضوعات؛ لذلك تكثر صيغ البيان، أفعال وأسماء «يتبين». وأنحاء التعليم المستعملة في علم ما بعد الطبيعة هي الوضوح والاستدلال والأمور البينة أو القريبة من البينة أو أمور بينت في العلم الطبيعي. وإن غاب البيان وقع الفكر في المحال والشناعة والخلف والتناقض. كما تظهر أفعال الشعور المعرفي مثل «رأى»، «لاح »، «شك»، «نظر»، «ظن»، «شك». والفكر اقتضاء ومعيار له مقاييس صحته الداخلية؛ لذلك تتكرر أفعال «ينبغي»، «يقتضي».
5
الفكر ليس فقط فكرا استدلاليا بل هو فكر تجريبي يبحث عن العلل والأسباب وليس فقط عن الاتساق، اتساق النتائج مع المقدمات؛ لذلك تكثر الصيغ الشرطية مثل «إذا كان هذا هكذا».
6
ويرد ابن رشد سلفا على السائل «وقد يسأل سائل» أو على العارض «فإن اعترض أحد» حتى يكتمل بناء الموضوع، ويصبح واضحا بذاته. (1) الوافد
ويتصدر الوافد الموروث كالعادة في الجوامع. يتقدم أرسطو ثم أفلاطون ثم الإسكندر ثم بطليموس وديموقرسطس، ثم فيثاغورس وسقراط وثامسطيوس وفرفوريوس وجالينوس وأفروطاغورش ومانن.
7
يحدد أرسطو أقسام العلم: الأول الأمور المحسوسة بما هي موجودة والتي أجناسها هي المقولات العشر كما فعل الأوائل، والثاني مبادئ الجوهر وهي الأمور المفارقة ونسبتها إلى المبدأ الأول، والثالث موضوعات العلوم الجزئية وأغاليطها التي وقع فيها القدماء في المنطق والطبيعيات وعلم التعاليم. ويسمي العقول المفارقة جواهر. والجوهر موضوع العلم الطبيعي في المقالة الثالثة من «السماع الطبيعي». ويعذل أرسطو أفلاطون بأن جعل ما هو مبدأ فاعل للشيء الكائن بالعرض أي بعيدا مبدأ وفاعلا للشيء الكائن بالذات أي قريبا. وهذا هو الفرق بين المذهبين. أرسطو ينكر أن تكون الصور المفارقة مبادئ فاعلة إلا على أنها كليات في الذهن، ولا يحتاج الأمر أن تكون صورا مفارقة كما هو الحال عند أفلاطون في شيء من المتكونات ما عدا العقل الإنساني. هذا هو الصحيح من مذهب أرسطو، المولد بالذات للشخص هو شخص مثله؛ لذلك يقول إن الإنسان إنما يولده إنسان، والمعنى المتكون فيه بالعرض وهي الإنسانية تولده الإنسانية المجردة من المادة وهذا هو الفرق بين مذهب أفلاطون ومذهب أرسطو.
8
يدرس ابن رشد الموضوع ثم يستشهد بما قاله أرسطو. فابن رشد هو صاحب النص وأرسطو هو المؤيد ربطا للتجربة بالقول، وللمشاهدة بالتراث، وللحاضر بالماضي، فقد وضع أرسطو موضوع القوة والفعل في المقالة الأولى في علم ما بعد الطبيعة تبين أهمية الموضوع.
وأرسطو يفصل الفلسفة اليونانية إلى قسمين، ما قبله وما بعده. الحقيقة تتطور وتتشكل وتتخارج وتتضارب وتتباعد إلى آراء ومذاهب ثم يأتي أرسطو ليوحدها ويبينها ويعرضها ويعلن عن اكتمالها كما يفعل آخر الأنبياء مع الأنبياء السابقين عليه وكما يفعل القرآن مع الكتب السماوية الأخرى بحيث يكون مصدقا لها ومهيمنا عليها.
وتسير الكواكب والأفلاك مثل الشمس والقمر سيرات معتدلة في أبعاد محدودة من الشمس لذلك يقول أرسطو إن سيرتها سيرة الشمس.
ويتبع ابن رشد طريقة أرسطو لإثبات أن المحرك ليس في هيولى وهو طريق الأولى، فالأشرف أولى من الأخس وقياس الأولى هو قياس الفقهاء؛ فابن رشد الفقيه هو الذي يتعامل مع أرسطو الفيلسوف. وهو ما تتضمنه مقالة اللام، وهي التي تتمم العلم، وتكمل الجزء الأول منه. والفلك أشرف أجزاء الكوكب. وكلما كثرت الكواكب كان أشرف. وقد صرح أرسطو بذلك. الفلك المحرك بالحركة العظمى هو أشرف الأفلاك. وقد ظن البعض أن مذهب أرسطو هو وجود محركين بعدد الحركات. وصحح الإسكندر ذلك في مقالته المشهورة «مبادئ الكل»، وجعل المحرك لجميع الأفلاك محركا واحدا. ويحاول ابن رشد الجمع بين الاثنين بحثا عن الأولى والأليق. فلكل حركة متحرك طبقا لأهل التعاليم وإلا لفعلت الطبيعة باطلا وعبثا. وفي نفس الوقت الحركة واحدة بالحقيقة تكون عن محرك واحد.