40
ويحال إلى «السماع الطبيعي» تعبيرا عن وحدة الرؤية وحتى تنتظم في نسق دون تكرار أجزائه، ويحال إليه في أنواع الحركة والمادة. ويحال إلى «البرهان» لبيان نموذج اليقين في الاستدلال على صحة المبادئ الطبيعية مثل الحركة الدائرية للأجسام السماوية وأنواع القضايا المستعملة في السماء والعالم مثل القضية العدمية التي قوتها قوة الموجبة. ويحال إلى كتاب القياس لأحكام قضايا الطبيعة. ويحال إلى كتاب الاقتصاص لبطليموس ليبين عدم تطبيق الأكر المحروقة الأقطاب على المتحركات دورا حركة طبيعية.
41
ويحيل ابن رشد إلى القدماء ثم إلى قدماء الطبيعيين تخصيصا واليونانيين والبابليين.
42
ويمكن الرجوع للمتقدمين من اليونانيين إلا في الكواكب المتحيرة، وكذلك لم يكن يظهر للبابليين كثير من الحركات التي أثبتها بطليموس.
43
وآراء القدماء في سكون الأرض في الوسط كلها بينة السقوط. وأقواها قول أفلاطون بثبوت الأرض في الوسط لتشابه المحيط، وأنبادقليس أن وقوف الأرض قسري. وهي مسألة حيرت القدماء وطلبوا استيفاءه في سكونها بسبب قسري. ولما أراد القدماء إعطاء سبب الخفة والثقل مرة يقولون إن سبب الخفة الخلاء وسبب الثقل الملاء، فالخلاء سبب الحركة وقد بان امتناع وجوده. ومرة يقولون إن الثقيل من أجزاء أكثر، وهذا كله بين السقوط. كما يحيل إلى المهندسين لبيان مساواة السطح لنفسه. وقد شرح أرسطو في المقالة الثالثة أمر الأسطقسات الأربعة وهل هي متناهية أم غير متناهية كما كان يرى قدماء الطبيعيين وبين أنها غير متناهية. ثم بين هل هي واحد كما كان يرى كثير من الطبيعيين أم كثير، وأبطل أنها واحدة.
44
ومن الموروث لا يظهر إلا ابن سينا ثم ابن باجه.
45
أنكر ابن سينا مقدمة بينة بنفسها لأرسطو وهي أن الحركة الدورية الموجودة بالحس والقياس طبيعة للجسم المادي. فابن سينا لا يفهم الواضح، وينكر البين بنفسه. وكيف يقول ابن سينا أيضا إنه ليس في العلم الطبيعي مقدمات يوقف منها على أن الكواكب الثابتة في فلك واحد؟ وقد ساعده ابن باجه على ذلك في بعض التعاليق المنسوبة إليه. ويحيل ابن رشد إلى «المتأخرين من أهل زماننا» الذين زعموا أن الحركة القريبة التي أثبتها بطليموس لهذا الفلك ليست بحركة تامة.
46
ويظهر أسلوب ابن رشد العربي المميز مثل «لعمري»، «ليت شعري» كما يظهر العلم الإلهي نظرا لارتباطه بالعلم الطبيعي. ففي العمل الإلهي يتبين أن المحرك لهذا الجرم الأقصى واحد بالعدد والصورة إذ كانت الهيولى لا تشوبه، والواحد لا يصدر منه إلا الواحد وإلا لزم أن يوجد محركان اثنان بالشخص وواحد بالنوع وهو مستحيل. وهو يشبه دليل الأشاعرة، دليل التمانع الشهير على استحالة وجود إلهين. كما يظهر الباري في تحديد معنى الكائن كما يقال في الباري تعالى إنه غير كائن. كما يمكن تصور الجرم السماوي بالعقل كما يتبين في العلم الإلهي. ويبدو التوجه الإسلامي غير المباشر الذي يدل على اتفاق العقل والوحي في النظر إلى الطبيعة مثل أن الطبيعة لا تفعل باطلا
ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار . وكما بدأت الجوامع بالبسملة تنتهي بالحمدلة.
47 (3) الكون والفساد
هو أصغر الجوامع وأيسرها
48
ويعرض ابن رشد الموضوع بالجملة أي الموضوع ذاته في مجمله دون تفصيلاته. وتعني الجوامع هنا كالجوامع السابقة النقاط الأقاويل العلمية كالعادة تجريدا لها عن الأقاويل الخطبية والجدلية. أي أن الجوامع لا تتعامل إلا مع الأقاويل البرهانية. ويتكون من عدة فقرات تبدأ أكثرها بصيغة «نقول». فابن رشد هو الذي يقول ويرى ويحلل الموضوعات ذاتها وليس أرسطو هو الذي يقول.
49
ويبدأ الموضوع بتحديد الغرض وهو الكلام في التغايير الثلاثة؛ الكون والفساد والنمو والاضمحلال، والاستحالة والنقلة، طبقا للترتيب المنظم في التعليم، ومن البسيط إلى المركب، وكثير من الأقوال بينة بنفسها.