12
ويحال إلى باقي مؤلفات أرسطو الطبيعية والمنطقية والميتافيزقية. ويتصدر السماء والعالم ثم الكون والفساد ثم المقولات ثم البرهان (أنالوطيقا الثانية) وما بعد الطبيعة ثم القياس.
13
فالجزء لا يفسر إلا بالكل إعلانا عن وحدة النسق الأرسطي ليس فقط داخل كل علم، المنطق والطبيعة وما بعد الطبيعة، بل في علاقة هذه العلوم كلها. فالمنطق مقدمة للطبيعة، والطبيعة مقدمة لما بعد الطبيعة. وتقوم ما بعد الطبيعة على الطبيعة فهي تجريد لها. كما تقوم الطبيعة على المنطق فهي محكومة به، والموضوع الطبيعي الواحد يعرضه أرسطو فيه عدة مؤلفات، النقلة في السماء والعالم والنمو والنقص في الكون والفساد، والحركة حول الوسط بجسم بسيط في السماء والعالم وكذلك المتناهي بالنوع، وتحديد الهواء والنار واستقامة الأجرام المتحركة، ويحال إلى الكون والفساد في موضوع الجزء الذي لا يتجزأ. ويحال إلى «ما بعد الطبيعة» لبيان أن القوة الأزلية واحدة وأنها ليست هيولانية، وقد اعتبر أرسطو في المقولات «الزمان أو أصناف الكم».
14
ومن الموروث يتصدر ابن باجه ثم ابن سينا ثم الفارابي ثم الغزالي.
15
وما يقوله ابن باجه في المكان مستقى بصراحة من الفارابي شرحا لمعنى أرسطو أن الجسم السماوي إن وجد في مكان فبالعرض، ولكن يظهر من كلام ابن باجه أن الكرة في مكان بالذات. وقد قال ابن سينا في الحركة الدورية إنها ليست مكانا أصلا وإنما هي في الوضع وهو ما لا يفهمه ابن رشد، ربما يقصد ابن سينا أنها تنتقل من وضع إلى وضع دون تعديل في المكان وهو صحيح وإن قصد الحركة في الوضع فخاطئ لأن الوضع ليس فيه حركة أصلا. وقد حل ابن باجه الشكل في مكان دون آخر وأجاب على شك القدماء الذين أطلقوا اسم المتغير بأن الانقسام الذي قصد أرسطو هو الانقسام بالأعراض المتقابلة والسبب خاص وذاتي ولو كان أرسطو قصد إنتاج الانقسام بالنهايات للمتحرك لما تكلف أن يبين أن ما ليس بمنقسم ليس بمتحرك.
ويرى أرسطو ومن تبعه من المفسرين أن وجود المبادئ الأربعة التي يرتكز عليها السماع الطبيعي واضحة بذاتها إلا ابن سينا،
16
وابن سينا متعسف مع المشائين في قوله إن هذا الحد للطبيعة غير بين بنفسه. وإن صاحب الفلسفة الأولى هو الذي يتكفل بيان ذلك وربما يريد بذلك أن صاحب الفلسفة الأولى يتكفل بإبطال الأشياء التي يرام بها نفس وجود الطبيعة. فابن سينا يريد تدمير الطبيعة باسم ما بعد الطبيعة. وابن رشد يريد الدفاع عن الطبيعة باسم ما بعد الطبيعة. لقد أخطأ ابن سينا بقوله هذا إن الطبيعة مجهولة وإن صاحب العلم الإلهي يبرهن وجودها؛ ذلك لأن العلم الطبيعي يقوم على مبادئه الخاصة به وليس على العلم الإلهي لأن المجهول لا يعرف إلا بالمعلوم. والعلم الطبيعي معلوم أكثر من العلم الإلهي. والعجيب أن ابن سينا يقول إنه يجب على صاحب هذا العلم أن يتسلم وجود المادة الأولى عن الفلسفة الأولى دون ضرورة لذلك على عكس المحرك الأول الذي يمكن اتباعه في الفلسفة الأولى، وإذا كان المقصود النظر في العلم الإلهي الذي ينظر في العلم الطبيعي والموجودات كما ينظر في المحرك الأول لكان صوابا. وتلك مادة ابن سينا في شكوكه على المشائين.
17
لقد حاول الغزالي عرض مذهب أرسطو في «المقاصد» لكنه لم يحقق الغرض. فكرر ابن رشد المحاولة لما يرجوه «لأهل زماننا» من منفعة. والطريق إلى ذلك البداية بصناعة المنطق التي في كتب الفارابي أو «المختصر الصغير الذي لنا»، وهو الضروري في المنطق؛ لذلك يبدأ ابن رشد الجوامع بالمنطق. وقد تابع «المتكلمون المتعلمون من أهل ملتنا وملة النصارى» أفلاطون وكل من قال بحدوث العالم في توهمهم أن ما بالعرض هو بالذات فمنعوا وجود حركة قبل الحركة إلى ما لا نهاية، وقالوا بوجود حركة أولى في الزمان، وألزموا هذا الشك لأرسطو إلا أنه حد الحركة بالمكان كما توهم الفارابي عليه في كتاب «الموجودات المتغيرة» وغيره مما أتى بعده كابن سينا وابن باجه وكما توهم قبلهم جميعا يحيى النحوي الذي أخذ يرد على أرسطو مثبتا أن قبل كل حركة حركة. فعرض «للمتفلسفين من أهل ملتنا» في ذلك شك عبر عنه الفارابي وهو توهم خاطئ على أرسطو المقصود به إثبات حدوث العالم ويوقع أرسطو في التناقض.