تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

ويستمد ابن رشد بعض أمثلته من ثقافته الطبية مثل ضرب المثل بأن السقمونيا تسهل الصفراء على الاستقراء، وأن المقدمات تكون من جنس العلوم مثل مقدمات العلم من صناعة الطب.

4

وفي أفعال القول لا تظهر الصيغة النمطية «قال» لأن الجوامع لا تبدأ بالقول بل بالشيء ولا تظهر كل الصيغ المشتقة منها مثل «يقول»، «قوله». ولا تظهر إلا صيغ المتكلم «نقول»، «قلنا» مما يدل على أن الجوامع إنما هي تأليف غير مباشر يقول فيها ابن رشد ويختفي أرسطو كقائل.

5

بل وتقل أفعال القول كلها لصالح الأسماء لأن الجوامع رؤية للموضوعات نفسها وليست شرحا أو تفسيرا أو تلخيصا للأقوال.

6

فالجوامع رؤية للاستقراء والقياس والمقدمات والكليات والمواد والمقدار وصور القضايا وأصنافها، وتبدو أفعال الشعور المعرفي في أفعال البيان والاستعمال والاضطرار.

7

كما تبين الصيغ الشرطية مسار الفكر، والانتقال من المقدمات إلى النتائج.

ويبدأ ابن رشد بتحديد الغرض؛ فالغرض هو أقصر طريق لاقتناص الموضوع، ويتحدد مسار الفكر بالإحالة إلى السابق واللاحق.

8

وفي الجوامع يقل الوافد والموروث لأن الجوامع تعتمد على الداخل على بنية الموضوع وليس على المكونات الخارجية له ومصادره في الوافد والموروث. الجوامع بهذا المعنى أقرب إلى الإبداع الخالص وخطوة متقدمة نحوه قبل العرض والتأليف والتراكم.

فمن الوافد لا يظهر إلا أرسطو وثامسطيوس وأبقراط.

9

فيشار إلى أرسطو وتمييزه بين الأقاويل الجدلية والبرهانية ليس فقط في المواد بل أيضا في القول، وأن هذه الأقاويل الجدلية وإن لم تكن برهانية إلا أن منافعها في الارتياض نظرا لأن كثيرا من المقدمات المشهورة متقابلات تثبت وتنفي في نفس الوقت.

10

ويحال إلى ثامسطيوس في حكمه على أحد الأقيسة أنه ليس بجدلي، وإلى قول أبقراط كمثل على المشهورين بالحذف في الصنائع من غير أن يخالفهم أهل الصناعة وهو أن الإعياء الحادث من غير سبب متقدم منذر بمرض.

ومن مؤلفات أرسطو المنطقية يحال إلى القياس والبرهان والجدل.

11

يحال أولا إلى القياس في أنواع الأقيسة الثلاثة، الحملي والشرطي والخلف، البسيط منها والمركب. ويحال ثانيا إلى كتاب البرهان في تصور الأشياء التي منها تلتئم الحدود. ويحال ثالثا إلى كتاب الجدل في المنافع الأخرى لهذه الصناعة.

12

ومن المورث لا يظهر إلا الفارابي.

13

ويدافع ابن رشد عنه حيث ظن الناس أنه قد سقط منه كثير من ضروب المقاييس البرهانية وهي في الحقيقة مقاييس جدلية. ويحكم ابن رشد بين الفارابي وثامسطيوس إذ اعتبر الفارابي أن أحد الأقيسة جدلي في حين اعتبره ثامسطيوس غير جدلي. ويأخذ ابن رشد صف الفارابي «وأنا أقول» مبينا السبب وهو أن التصديق غير مشهور اليقين ومقياسه كون المحمول في جوهر الموضوع وكون الموضوع في جوهر المحمول وإلا كان التصديق مجرد شهرة واستقراء.

14

وتظهر بعض الأمثلة الدينية للمقدمات المشهورة عند الجميع الذي تتفق عليه جميع الأمم مع تباين محلها وفطرها مثل أن شكر المنعم حسن وبر الوالدين واجب. كما يضرب المثل على المقدمات المشهورة عند الأكثر دون الباقين مثل أن الله واحد. فالأخلاق تجتمع عليها كل الأمم، والدين خاص بكل أمة على حدة.

15

وكما تبدأ الجوامع بالبسملة والدعاء تنتهي أيضا بالحمدلة والدعاء.

16 (2) جوامع الخطابة

وكعادة الجوامع تتوجه جوامع الخطابة نحو الموضوعات أكثر من توجهها نحو الأفعال أو الأدوات.

17

وتغيب أفعال القول وفي صيغة «قال» وتحضر نسبيا في صيغ «نقول». فالجوامع لا تبدأ من الأقوال المباشرة كالشرح والتفسير أو غير المباشرة كالتلخيص بل تصف الموضوعات عودا إلى الأشياء ذاتها.

18

ابن رشد هو الذي يقول وليس أرسطو. هو الذي يصف وليس أرسطو، ولا يتم اللجوء إلى أرسطو إلا استشهادا به وإثباتا للاتفاق أو تخليصا من سوء تأويل الشراح يونان ومسلمين أو اختلافا معهم وهو الأقل. فكمال العقل واحد بين ابن رشد وأرسطو. والأسماء والموضوعات التي يصفها ابن رشد هي كل ما يتعلق بالمقاييس الخطابية، أصنافها (ضروبها) وصورها ومثالاتها ودلالتها وتشبيهاتها وأسبابها وكيفية الاستشهاد بها.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١٥٢