تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

وأبقى ابن رشد على القسمة الرباعية للمستصفى: الثمرة وهي الأحكام، والمستثمر (بفتح الميم) وهي الأدلة الأربعة أو إحصاء الشرع، طرفي الاستثمار، وهي المبادئ اللغوية، والمستثمر (بكسر الميم) وهو المجتهد.

ولكنه حذف المقدمة الشهيرة في المنطق فمن لا منطق له فلا ثقة لنا بعلمه، فابن رشد وهو المعروف بأنه الشارح الأعظم والأرسطي الفج يرفض جعل المنطق أساسا نظريا أو مدخلا ضروريا لعلم أصول الفقه، ويريد أن يستبدل به أساسا نظرية من داخل العلم وليس من خارجه، من الموروث وليس من الوافد.

13

بل إن ابن رشد يضع علم أصول الفقه ضمن نظرية عامة في تصنيف العلوم إلى ثلاثة أصناف؛ علوم غايتها الاعتقاد والحاصل في النفس مثل علم العقائد، وعلوم غايتها العمل، كلية بعيدة عن العمل أو جزئية قريب منه مثل الفقه، وعلوم تعطي القوانين والأحوال التي بها يتوجه الذهن نحو الصواب مثل علم أصول الفقه وهو ما يعادل المنطق كآلة للفلسفة. وهو أقرب إلى الأصول الكلية للعمل. ويختلف هذا التصنيف عن تصنيف الغزالي العلوم إلى دينية وعقلية ثم قسمة الدينية إلى كلية مثل علم العقائد وجزئية مثل باقي العلوم ومنها علم أصول الفقه الذي رفعه ابن رشد إلى مصاف العلوم الكلية. وذهب الغزالي في موضع آخر إلى أن علم أصول الفقه علم نظري وهو عند ابن رشد علم آلي منطقي خارج العلوم النظرية والعملية. والآلة مثل المسبار والقانون نسبة إلى الذهن مثل نسبة الفرجار والمسطرة إلى الحس.

ثم رد ابن رشد الأقطاب الأربعة إلى قطب واحد وهي طرق الاستثمار أي الجانب المنهجي في علم أصول الفقه بالرغم من أن هذا الرد إلى القطب الثالث لا يظهر من الناحية الكمية.

14

وهو نفس الموقف عند الفلاسفة خاصة الفارابي في «كتاب الحروف» بتحويل المنطق إلى اللغة. ويمكن عرض هذا القطب الثالث بطريقتين؛ الأولى طبقا لأشهر المذاهب فيها كما يفعل أهل السنة. فالمذهب هو الأصل والمبدأ اللغوي هو الفرع، والثانية: أن يكون المبدأ اللغوي هو الأصل الذي تتفرع المذاهب عليه وهو طريقة ابن رشد من أجل إرساء القواعد وتأسيس العلم، وضع القاعدة ثم بيان اختلاف أهل القياس والظاهرية عليها. بل إنه يفرق بين القياس ودلالة الألفاظ. فالقياس خاص يريد به خاصا أي أقرب إلى التمثيل، وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من جهة الشبه لا من جهة دلالة اللفظ.

ويقتضي الدليل الأول وهو الكتاب النظر في ألفاظه، حقيقة ومجازا. وهو بين لأنه بلغة العرب ولسانها بل إنه لا يوجد لسان يعرى من ذلك. وإذا كان في لسان العرب شيء من غير ألفاظها فقد عربته العرب وأصبح جزءا منها. ويجوز شرح العربية وتبديلها بالعجمية. ويضرب المثل بعنز أيل على الخبر المتواتر الذي لا يتفق متنه مع الحس. كما يرفض الموقف السوفسطائي الذي ينكر العلم بالتواتر أو بغيره.

بل إن الأصل الرابع وهو دليل العقل أو الاستصحاب يعني براءة الذمة عن الواجبات وسقوط الحرج عن الخلق فيما لم يأت فيه أمر أو نهي. فهو دليل تجوزا في العبارة، ويعني الاستصحاب أيضا استصحاب العموم مالم يرد الخصوص، والنص ما لم يرد النسخ، والحكم دون التكرار، والإجماع. وهو ليس قياسا صوريا آليا، مقدمات ونتائج أو ماديا يقوم على التعليل.

15

ومعنى اللفظ حسب الاستعمال العربي وعادة العرب وكلام العرب. ويستشهد ابن رشد بالشعر العربي على أن الاستثناء يكون من جنس المستثنى. وإذا كان الإجماع يتوقف على العلم بالكتاب فشرطه علم اللغة واللسان.

ويحل ابن رشد كثيرا من المسائل الأصولية ذات الأصول الكلامية بناء على تحليل الألفاظ ويقول «وهذه المنازعة لفظية.»

16

وكثير من الدعاوى لغوية وعلى مدعيها إثبات ذلك عرفا شرعيا أو وضعا لغويا. كما أن مسألة الحرام الواجب «من جهة صيغة لفظ النهي.» بل إن للمتكلمين مصطلحاتهم، والكلام نفسه مصطلح. (2) تراكم الموروث

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١٤٩