تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وللفارابي كلام في تفسير كتاب المدخل.

5

وهو أقرب إلى الجوامع؛ إذ يغيب عنه الوافد والموروث. ويتوجه مباشرة نحو الموضوع. فالتفسير هنا ليس للنص بل رؤية لموضوعه. يبدأ بتعريف صناعة المنطق بأنه العقل الذي يتوجه نحو الصواب احترازا من الخطأ ومنزلته من العقل منزلة النحو من اللسان.

والصنائع قياسية وغير قياسية. وتستكمل القياسية بأجزائها الخمسة؛ الفلسفة، والجدل، والسفسطائية، والخطابة، والشعر. الفلسفة هنا مقدمة للمنطق. وقد تعني منطق اليقين، المقولات، والعبارة، والقياس والبرهان. وغير القياسية هي المهن العملية مثل الطب والفلاحة والنجارة والبناء التي ربما تعتمد على التجربة ولو أن بعض أجزائها في حاجة إلى قياس.

ويستعمل القياس في مخاطبة الآخرين أو مخاطبة الإنسان لنفسه، وكذلك تستعمل الفلسفة في الأمرين معا. وغاية السفسطائية غلبة المخاطب فيما يظن أنه مشهور دون أن يكون كذلك ومن أجل التمويه. فالسفسطة حكمة مموهة. وغاية المخاطبة إقناع السامع وسكون النفس إلى المخاطب. والشعر يلتمس محاكاة الشيء وتخيله كالفنان الذي يصنع التماثيل.

تعطي صناعة المنطق كل جزء من القياس قوانينه تختبر في الاستعمال؛ ومن ثم تصبح أجزاء المنطق ثمانية. الأول: المقولات وتشتمل على كل المعقولات والألفاظ الدالة عليها. والثاني: العبارة وتشمل أيضا المعقولات والألفاظ الدالة عليها أيضا في التركيب الأول كمقدمات. الثالث: القياس وهو القول المركب من عدة مقدمات، والرابع: البرهان الذي يضم القوانين التي تلتئم منها الحدود. هذا بالإضافة إلى الكتب الأربعة الأخرى في منطق الظن؛ الجدل، والسفسطة، والخطابة، والشعر.

وتؤدي صناعة المنطق إلى اليقين. واسمه مشتق من النطق. والمناطقة يسمون الصفات محمولات، والموصوفات موضوعات. والصفات إما بسيطة أو مركبة. البسيط ما دل عليه اللفظ المفرد، والمركب ما دل عليه اللفظ المركب. فاللغة بعد في المنطق. وعلاقة الموضوع بالمحمول أي الصفة بالموصوف علاقة تشابه أو اختلاف، والتشابه أو الاختلاف إما أن يكون في الجوهر أو في الحالات. والتشابه بين محمولين في الجوهر هو المحمول الكلي، وهو الجنس وأخصه النوع. وإذا كان التشابه في الحال يكون غرضا أو فصلا أو خاصة، وهي الأسماء الخمسة التي عدها فرفوريوس.

ولما كانت الفلسفة جزءا من المنطق كما أن المنطق هو الآلة للفلسفة انقسمت الفلسفة إلى أربعة أقسام؛ التعاليم، والعلم الطبيعي، والعلم الإلهي، والعلم المدني؛ فالرياضة تأتي أولا، وتقوم مقام المنطق. والطبيعيات تسبق الإلهيات. ويظهر العلم المدني، الاجتماع والسياسة والتاريخ كقسم رابع للفلسفة وقسمتها التقليدية الثلاثية إلى منطق وطبيعيات وإلهيات؛ فالمجتمع هو المصب النهائي للحكمة الثلاثية. ثم تنقسم التعاليم أربعة أجزاء؛ العدد، والهندسة، والنجوم، والموسيقى، وهو الرباعي الشهير في الفلسفة المدرسية. والعلم الطبيعي ينظر في الأجسام وطباعها. والعلم الإلهي ينظر فيما ليس بجسم سلبا للعلم الطبيعي. والعلم المدني يبحث عن السعادة الحقيقة ووسيلة الحصول عليها من المدن إيجابا أم سلبا. فالأخلاق أساس العلم المدني، وينتهي التفسير بدعوة الناسخ الفقير إلى ربه بالجامع الأعظم.

6

ولا يعني التفسير هنا النوع الأدبي المستقر في «تفسير ما بعد الطبيعة» لابن رشد ولكنه يتداخل مع معاني «المدخل» و«التوطئة» و«الشرح» و«الإملاء»، أقرب إلى الجوامع منه إلى الشرح أو التفسير لأنه يتجه نحو الموضوع مباشرة. وهي صناعة المنطق. وتقسيمها إلى قياسية وهي خمسة؛ الفلسفة، والجدل، والسفسطائية، والخطابة، والشعر، وغير القياسية للأعمال مثل الطب والفلاحة والنجارة والبناء وسائر الصنائع العملية. وأجزاء المنطق كلها ثمانية: المعقولات (المقولات)، العبارة، القياس، البرهان. ثم يتناول الفارابي بالتفصيل الألفاظ البسيطة والمركبة والمحمول.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١٢