تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما تعريف الفلسفة بأنها معرفة الإنسان لنفسه، فليس من سقراط؛ نظرا لشهرته وأولويته التاريخية وترويجا للغرب المسيحي في أصوله الأولى، بل من القرآن

وفي أنفسكم أفلا تبصرون ، ومن حديث الرسول الذي يرويه الصوفية «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، سواء كان صحيحا أو موضوعا؛ فالوضع يدل على صحة الفكرة من حيث المتن، ثم خلق سندها شعوريا، وسار في أثره المصلحون المعاصرون. ويمدح الكندي هذا التعريف بأنه شريف بعيد الغور، اعترافا بحق الأمم في اكتشاف التصورات والحقائق الإسلامية قبل الوحي . ويستدل الكندي عليه ببرهان شرف النفس، الذي يقوم على القسمة العقلية. وينتهي إلى أن الإنسان عالم أصغر، كما انتهى الحكماء وقرر إخوان الصفا فيما بعد. ولا يهم إذا كانت هذه التعريفات الأربعة أو الستة معروفة في العصر الوسيط في القرنين الخامس والسادس بعد الميلاد؛ أي قبل الكندي بأربعة قرون في كتب التفاسير من الشروح الفلسفية، وكأن الكندي فيلسوف مسيحي يستقي معلوماته من الكتب المقررة، إلا إذا كان غرض صاحب هذا الحكم الفخر والزهو بالاطلاع على الفلسفة الغربية المسيحية، وعلى أمهات الكتب المدرسية في أصولها الألمانية.

19

وكما تترجم بعض المصطلحات اليونانية بمصطلحات إسلامية، كذلك تترجم بعض المصطلحات الإسلامية بمصطلحات يونانية، جدلا متبادلا بين اللفظ والمعنى في كل من اللغتين اليونانية والعربية؛ مثال ذلك تعريف مصطلحات الملائكية والإنسانية والبهيمية وهي مصطلحات إسلامية، تحديد الملائكية بالحياة أو النطق والإنسانية بالحياة والنطق والموت، والبهيمية بالحياة والموت؛ فالحياة جامع بين المصطلحات الثلاثة، والنطق جامع بين الملائكية والإنسانية، والموت جامع بين الإنسانية والبهيمية؛ فالإنسان هو الذي يتصف بثلاث صفات تجمعه بين الملائكية والبهيمية.

وإذا تضمنت رسالة الكندي واحدا وتسعين مصطلحا، فإن ثلثها تقريبا من الوافد؛

20

من أجل استعماله للتعبير عن الموروث طبقا لظاهرة التشكل الكاذب، والثلثان من الموروث من القرآن والسنة، وعلم الكلام كألفاظ وإن لم تتحول بعد كمصطلحات؛ فبين الوافد والموروث هناك ألفاظ مشتركة، في الوافد مصطلحات وفي الموروث ألفاظ، والمسافة بين الاثنين ليست بعيدة؛ فالحكم بأن المصطلح الفلسفي يوناني حكم خاطئ، ينتقل من الحكم على الجزء إلى الحكم على الكل. هناك ألفاظ مشتركة أصلها قرآني مما يدل على أن نشأة المصطلحات واردة في كل لغة ابتداء من اللغة العادية،

21

بل إن حدود باقي المصطلحات العقلية الخالصة، ليس فيها أي خروج على التصور الإسلامي، مثل العلة الأولى المبدعة والفاعلة والمتممة لكل غير المتحركة. ولا حرج من قبول بعض التعريفات العامة، التي تعبر عن مستوى العصر الثقافي، والمعاني العرفية التي لا تعارض تصورا إسلاميا، مثل تعريف النفس بأنها غاية جرم طبيعي ذي آلة فاعل للحياة، أو استكمال أول لجسم طبيعي ذي حياة بالقوة.

22

والبداية بتحديد الألفاظ توجه إسلامي، ظهر في مباحث الألفاظ في علم الأصول. وهناك بعض الألفاظ توحي بأنها وافدة، مع أنها أيضا موروثة، ولكن نظرا لشيوع الوافد وانعزال الموروث، بدت وكأنها وافدة وذلك مثل مصطلح قضية في المنطق الذي ليس ترجمة للفظ اليوناني، بل مشتق من فعل قضى يقضي قاض قضية، ولها دلالة فقهية أكثر منها دلالة منطقية.

23

وعند التعريف هناك حرص على التصور الديني للعالم، مثل تعريف الفلك بأنه ليس أزليا دخولا في معركة قدم العالم وخلقه، وتعريف الإرادة على أساس رأي المتكلمين فيها، كذلك تعريف الوقت اعتمادا على المتكلمين، الزمان الإنساني للفعل في مقابل الزمان الكوني، الدهر، وكذلك التفريقات الدقيقة المنطقية بين الكل والجميع والبعض والجزء، مستمدة من متكلمي المعتزلة المعاصرين للكندي، بل إن بعض المصطلحات مشتركة بين الفلسفة مثل العلم والفلك والشك واليقين.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٩٦