121
| ثامنا: الشراح اليونان
(1) النص والشرح
إن ترجمة التفسيرات اليونانية مع النص اليوناني لتدل على احترام النص وتراثه من عقلية شبيهة تقدس النصوص والتراث، وفي حضارة قامت على مركزية النص القرآني ونشأة العلوم التراثية منه وحوله في دوائر. وقد قام بذلك الشراح اليونان مفسرين النص الأرسطي اعتمادا على الفلاسفة السابقين على سقراط، الطبائعيين الأوائل الذين تحدثوا عن الماء والهواء والتراب والنار، العناصر الأربعة كتاريخ، قبل أن تتحول إلى نظرية في الأسطقسات عند أرسطو.
1
وكانت البداية أرسطو لأنه أهم سلطة في الفكر، ومن أجل ربط الفكر بالتاريخ واستمرار الحضارة من الماضي إلى الحاضر، من أصولها إلى فروعها، من جذورها إلى ثمارها .
ولا ضير من ترجمة شروح وتفسيرات حضارية أخرى؛ فلا فرق بين النص وشرحه، كله وحدة واحدة ومعنى متكامل دون تمييز بين نص المؤلف ونص الشارح؛ فالغاية من الشرح الحفاظ على وضوح المعنى وتجاوز حرفية الترجمة، حتى بعد إصلاحها من مترجم آخر، فإصلاح الترجمة حلقة متوسطة بين الترجمة والتعليق، كما أن التعليق حلقة متوسطة بين الترجمة والشرح. وقد يغير الشارح العنوان نفسه ويزيد عليه لفظا من أجل بيانه، كما أضاف الشراح وربما الإسكندر إلى كتاب أرسطو «السماء» لفظ «العالم»، فعرف بعد ذلك باسم كتاب «السماء والعالم» منذ عصر بطليموس. ويحاول الشراح استقراء أرسطو في التاريخ والتحقق من شراحه.
2
وإنها مهمة الشارح الأوروبي معرفة العمليات الحضارية بين الشارح اليوناني والنص اليوناني فهو أدرى بها، ويعيش فيها أكثر منا، تلك هي ثقافته الوطنية. أما الباحث منا فيمكن وصف هذه العمليات قياسا على ثقافته وقدرته على وصف التاريخ المعاش.
3
المطلوب قراءة شرح ثامسطيوس لحرف اللام؛ لرصد العمليات الحضارية انتقالا من النص إلى الشرح، ما المحذوف وما المضاف؟ ما الظاهر وما المؤول؟ وتلك مهمة الشارح الأوروبي. مهمتنا نحن معرفة شرح المسلمين بالمؤازرة مع النص الأصلي أو مع الشرح.
4
والشارح اليوناني له فضل السبق في التاريخ؛ فهو أكثر التصاقا بالحضارة اليونانية كبيئة ثقافية تاريخية. ومع ذلك قد يفوقه الشارح الإسلامي عقلا ومقدرة، على فهم معنى النص من حضارة إلى أخرى أكثر عقلانية واكتمالا. وقد يكون الوعي المطابق بين الشارح وموضوعه أقل قدرة على الشرح من الوعي المغاير؛ نظرا لعدم وجود مسافة كافية في الحالة الأولى تكفي للرؤية عن بعد وتوفرها في الحالة الثانية. وهو حال الوعي العربي الآن في التعامل مع الحضارة الغربية، وقدرته على الحكم عليها أكثر من الوعي الأوروبي نفسه؛ نظرا للتمايز الكافي بين الذات العارفة وموضوع المعرفة. وإن ترجمة الشروح أيضا إنما تدل على احترام النص، وكل ما قيل حوله كتراث نصي له، والاستفادة منه في استقرار المعنى. ويعتمد الشراح اليونان على بعضهم البعض، مثل اعتماد ثامسطيوس على شروح أندرونيقوس والإسكندر وفرفوريوس. وقد يقوم الشراح المسلمون بشرح الشراح اليونان شرحا أو تأليفا.
5
ولم تكن الترجمة لنصوص أرسطو وحدها بل أيضا لبعض شروحها، مثل شرح ثامسطيوس لكتاب النفس لأرسطو. وهنا يزدوج النقل الحضاري، من النص اليوناني إلى الشرح اليوناني لثامسطيوس، ومن الشرح اليوناني إلى النقل العربي لإسحاق بن حنين؛ فقد يقوم حنين بنقل شرح ثامسطيوس بكل ما فيه من قراءة للنص الأرسطي، وقد يقوم بإسقاط هذه القراءة عودا إلى النص الأرسطي. وقد يقوم بإسقاط هذه القراءة عودا إلى النص الأصلي، ثم نقلا له مباشرة من منظور الحضارة الإسلامية. وقد يكون مقدار النقل الحضاري لثاسطيوس أقل بكثير من مقدار النقل الحضاري لإسحاق، الأول نقل إلى الداخل؛ فالمسافة بين المقروء والقراءة ليست كبيرة، والثاني نقل إلى الخارج؛ فالمسافة بين المقروء والقارئ بعيدة. قد يبدو الشرح الداخل أحيانا غير دال، لغويا صرفا، «موضوعيا». في حين أن الشرح الخارجي قد يبدو ممثلا للنقل الحضاري؛ لأن النص ينتقل من حضارة إلى أخرى. الشرح داخل الحضارة يكون أقل دلالة؛ لأن منظور النص هو منظور الشرح، والخلاف بين المنظورين في الدرجة وليس في النوع. في حين أن الشرح من خارج الحضارة يكون أكثر دلالة؛ لأن منظور الشرح غير منظور النص، والخلاف بين المنظورين في النوع وليس في الدرجة. الشرح من داخل الحضارة أقرب إلى منظور المؤلف، والشرح من خارج الحضارة أقرب إلى منظور الشارح باعتباره مؤلفا ثانيا. وإذا كانت هناك عمليات حضارية داخل الحضارة، فلا يدركها إلا اليوناني الذي يعيش عصر الشرح، أو غير اليوناني الذي يعرف منطق الشرح في حضارته وحضارات الآخرين. وبطبيعة الحال تختلف الترجمة العربية عن الشرح اليوناني، كما يختلف كلاهما عن النص اليوناني؛ لأن الترجمة العربية أقرب إلى الشرح أو التلخيص للشرح منها إلى الترجمة المطابقة؛ لذلك أتت تعليقات الناشر غير دالة على منطق النقل الحضاري.