تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

112

وأحيانا يكون بالمخطوط ثقوب وأماكن بيضاء وسواد وتمزق ونقص، وأحيانا تكون الكلمات غير واضحة أو صعبة القراءة، ولكن لا يجوز إكماله حسب النص اليوناني أو إيجاد دلالات مدرسية للترجمة، مثل التعريف بأسماء الأعلام أو المصطلحات أو الشرح، اعتمادا على الفلسفة الغربية أو اليونانية.

113

ومن المبكر مقارنة الترجمة العربية لكتاب الأخلاق بالمؤلفات الأخلاقية المتأخرة، وكيف أنها اعتمدت عليها فهذا أيضا خاضع لمنهج الأثر والتأثر الذي ساد الاستشراق الغربي، كما سادت النزعة التاريخية؛ فليس المهم التشابه بين كتاب الأخلاق وتقسيم إخوان الصفا للصنائع النظرية والعملية، فهذا أدخل في موضوع التأليف وليس الترجمة. كما أن إحالات المضمون إلى الفلسفة اليونانية السابقة أو الفلسفة الإسلامية التالية، هو أيضا أفضل في التأليف منه في الترجمة. وإذا كان لا بد من المقارنات فيجوز ذلك مع الفلسفة الغربية؛ من أجل نقل الفلسفة الإسلامية من مرحلة قديمة إلى مرحلة جديدة.

114

وتظهر الترجمة كنقل حضاري في ظهور المصطلحات الإسلامية في الترجمة، وفي مقدمتها لفظ «الله»، واستحالة ترجمة لفظ «الله» جمعا و«الشريعة» أو «الفريضة». كما يستعمل لفظ «إلهي» و«متأله» مفردا وجمعا.

115

كما تفتتح الترجمة وتختتم بالبسملة والحمدلة والصلاة والسلام على الرسول، بصرف النظر عن كون ذلك من المترجم أو الناسخ أو القارئ، إكمالا للترجمة كنقل حضاري.

116

وقد تكون هذه الفواتيح والخواتيم في أول كل مقالة وفي آخرها، وتتكرر عدة مرات، وليست فقط في أول الكتاب وآخره مرة واحدة. ولم تكن هناك حاجة لنقل مصطلحات دينية جديدة؛ فالموضوع عقلي أخلاقي، والعقل أساس الشرع.

كما لا يجوز للمحقق الحديث شرح النص المترجم بالرجوع إلى أعمال المؤلف الأخرى؛ فكل نص له وحدته المستقلة أو بالعودة إلى باقي المؤلفين اليونان، مثل شرح جالينوس اعتمادا على أبقراط؛ فكل مؤلف له رؤيته للعالم بصرف النظر عن اتفاقه في العلم الدقيق مثل الطب مع مؤلف آخر. ولا يتم ذلك إلا إذا كان هناك نسق في الترجمة يتضح في كل النصوص.

117

ولا يجوز تصحيح الترجمة العربية القديمة بشروحها وملخصاتها وجوامعها التالية؛ فتلك مراحل مختلفة لحياة النصوص في التاريخ؛ فالتلخيص ليس ترجمة بل هو إدماج للألفاظ، من أجل إبراز المعنى حتى يمكن التعامل مع المعاني بعد ذلك في مرحلة التأليف. كما أن الشرح أو التفسير تفصيل للمعاني حتى يمكن إرجاؤها إلى وحداتها الأولية، قبل إعادة تركيبها في التلخيص. أما الجوامع فهي عود إلى الأشياء ذاتها، من أجل رؤيتها على نحو مستقل بصرف النظر عن الأطر الحضارية؛ لذلك لا يجوز تصحيح ترجمة الأخلاق لأرسطو بتلخيص ابن رشد.

118

وحتى لو كانت الترجمة العربية الصحيحة، فإن مقياس صحتها ليس تطابقها مع النص اليوناني بل حسن أدائها المعنى، وليس مقياس صحتها تطابقها مع الترجمة الغربية الحديثة؛ نظرا لاختلاف الموقف الحضاري للترجمتين.

119

كما أنه ليس من مهمة الترجمة العربية تصحيح الترجمة الغربية الحديثة؛ فليس الهدف هو إيجاد ترجمة غربية «صحيحة» والوسيلة هي الترجمة العربية القديمة؛ نظرا لاختلاف الموقف الحضاري بين الترجمتين. وإذا كانت الترجمة العربية خاطئة محرفة، تحذف وتضيف، وتخطئ وتسيء فهم، فكيف يمكن استعمالها لتصحيح الترجمة الغربية الحديثة؟ ولا يجدي الفرح بتطابق الترجمة العربية القديمة مع الترجمة الغربية الحديثة، إلا حين الإحساس بالنقص أمام الآخر.

120

ولا يجوز تصحيح الترجمة القديمة بشراحها العرب؛ فالترجمة نقل والشرح تحول من النقل إلى الإبداع. الترجمة عمل حضاري مزدوج، نقل النص من ثقافة الوافد إلى ثقافة الموروث. والشرح عمل حضاري واحد، تحويل النص من نص مترجم إلى نص شارح في ثقافة الموروث، خطوة نحو العرض والتأليف والتراكم ثم الإبداع.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٤٣